كتب: علي فواز
منذ اللحظات الأولى للحرب وفيما كانت الشاشات تغرق بالأخبار العاجلة من دون توقف، انصب تركيز فئة محدودة من المراقبين والخبراء العسكريين على تقصّي المعلومات والأخبار حول نشاطات عسكرية معيّنة وخاصة. إنها المعلومات التي من شأنها أن تعطي الصورة الأكثر وضوحاً عن مسارات الحرب، وتنبئ عن اتجاهاتها وإلى أي كفة سوف تميل.
لا حروب إلى ما لا نهاية؛ هذه قاعدة تاريخية. ونهاية هذه الحرب تحدّها مجموعة عوامل وتحدّد من ينتصر فيها. أحد أهم هذه العوامل ينسجم مع طبيعة الحروب المفتوحة عندما تتفلت الضوابط والأسقف وتصبح حرباً وجودية. يخوض محور المقاومة الحرب الحالية انطلاقاً من هذا التوصيف، وهو التوصيف الذي تبناه أيضاً الكيان الصهيوني على لسان مسؤوليه عنواناً للمواجهة.
من ناحية الولايات المتحدة يختلف المنظور. صحيح أنها حرب اختيارية وليست وجودية، لكنها ستُشكّل احتمال "بداية مسار حتمي لتفكّك النظام العالمي"، وفق ما توعّد به مصدر مقرب من دوائر صنع القرار في إيران، عشية الحرب.
في تصريح للميادين، أوضح المصدر قبل أكثر من أسبوع أنّ أي حرب ضد طهران ستفتح المجال أمام قوى أخرى لاستغلال هذا التحوّل لتنفيذ أجنداتها الجيوسياسية، لافتاً إلى أنّ اندلاع مثل هذه الحرب سيُحدث تحولات جوهرية في حسابات كلٍّ من الصين وروسيا.
بالعودة إلى العامل الذي سيحدد وجهة الصراع المفتوح اليوم على احتمالات ومسارات المستقبل يمكن مقاربته من زاوية كل محور على حدة. من جهة إيران ومحور المقاومة، يكمن المحدد الأساسي في منظومة الصواريخ التي ما زالت في حوزتها، ولا سيما النوعية منها، وسمتها الدقة والسرعة والقدرة الفتاكة والقدرة على اختراق المنظومة الدفاعية للعدو. لا يعني ذلك عدم وجود أوراق قوة أخرى مؤثرة، وهي أوراق رابحة لم تُزجّ حتى الآن في المعارك التي بدأت تتخذ طابع عض الأصابع التي ينتصر فيها من يتحكم بالمبادرة وقواعد الاشتباك، ويتمكن من إدارة المعركة بكل مستلزماتها ومتطلباتها بنفس طويل. من بين ذلك المسيرات منخفضة التكلفة سهلة الإطلاق والمرنة في سلاسل الإنتاج القادرة على تصنيع كميات لا تنتهي منها مقابل صواريخ اعتراضية باهظة ومحدودة.
في جهة المحور الأميركي -الصهيوني، فإن العامل المحدد الذي يمثّل نقطة ضعف هو مخزون الصواريخ الاعتراضية، إضافة إلى منظومات الدفاع والرصد التي لا غنى عنها في العمليات التشغيلية.
في هذا الإطار، أكد المتحدث باسم مقر "خاتم الأنبياء" الإيراني أن تدمير منظومات الرادار التابعة للكيان الصهيوني وأميركا خلال الموجات السابقة أدى إلى "إعماء" العدو، ما يجعل استهداف الأهداف المحددة أكثر نجاحاً وسهولة في المراحل اللاحقة.
سبق المتحدث الإيراني إعلان مماثل على لسان قائد رفيع في الجيش الإيراني بحيث صرّح للتلفزيون الإيراني أن طهران على دراية باحتياطيات ذخيرة الدفاع الجوي لدى العدو، وأنه خلال أيام قليلة ستصبح القواعد الأميركية في المنطقة بلا دفاع أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
ما يؤكد هذا المنحى إعلان الخارجية الأميركية عن وجود حالة طارئة تستدعي بيع الذخائر إلى "إسرائيل" على الفور، الأمر الذي أكّده دونالد ترامب حينما أعلن أن الشركات وافقت على زيادة إنتاج الأسلحة بأربعة أضعاف، وقال "نسعى للوصول إلى أعلى مستويات الإنتاج بأسرع وقت ممكن".
وفق الرئيس الإيراني مسعود بازشكيان قبل أيام، دخلنا مرحلة جديدة من الحرب. يقول إن طهران أنهت مخزونها من الصواريخ القديمة، "والآن ستنكشف التكنولوجيا الحقيقية للجمهورية الإسلامية".
تتفق الأطراف على أننا دخلنا الآن المرحلة الثانية من الحرب. هذا ليس توصيفاً من جهة واحدة إذ شهدت الساعات والأيام الماضية إفادات بهذا المعنى على لسان رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو وقبله رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير.
في المرحلة الأولى، فشلت محاولة إعطاب القيادة والسيطرة داخل إيران ومحاولة خلخلة النظام كما فشلت عملية الصدمة والترويع في حسم الحرب خلال فترة زمنية وجيزة كما كان يتمنى ثنائي العدوان. لكن، ماذا عن المستقبل؟ وكيف يقرأ محور المقاومة طبيعة الحرب وأفقها ومسارها؟
يقول مصدر مقرّب ومطّلع في هذا السياق إن هذه الحرب لها أبعاد عدة أهمها البعد الجيوبولتيكي، وهي مختلفة عن أغلب الحروب التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين. الحرب تخوضها إيران اليوم تحت عنوان "أكون أو لا أكون": من يريد تغيير نظامي سأغير أنظمته الوليدة الهجينة من حولي.
بعد اغتيال الإمام علي خامنئي باتت دوائر القرار السياسي الإيراني تجمع على القتال حتى النهاية، وترى أن الدفاع عن النظام والجمهورية أمر واجب مهما كلف الأمر، وأن إيران مستعدة للقتال لثماني سنوات. وحول شرائح معينة من المعارضة الإيرانية يشير المصدر إلى أنها مطوقة، ومقيدة اليدين، لا قدرة لها على رفع صوتها ولا على التأثير السياسي، مشدداً على وجود إجماع وطني سيادي إيراني يؤمن بأن طابع الحرب دفاعي سيادي.
يوضح المصدر أن الحرب سوف تطول ولن تنتهي إلا بتغيير في الخارطة السياسية للمنطقة، وأن المعسكر الأميركي- الإسرائيلي يركز عملياته العسكرية على سلاح الجو والاغتيال، ويؤكد أن المخزون الاستراتيجي من بعض القذائف والصواريخ بات محدوداً في كل من أميركا و"إسرائيل"، والطرفان غير جاهزين لحرب برية؛ إن حصلت ستكون نتائجها كارثية عليهما وفق كل التقديرات.
يشير المصدر إلى أنه فيما بات شائعاً ومعروفاً أن الرأي العام الأميركي يقف ضد الحرب وأن أميركا تعاني من أزمة اقتصادية كبيرة، فإن هذا الأمر سيخلّف تبعات وتداعيات ويشكل قاعدة لفهم الصورة العامة التي تحدّها وفق المصدر العوامل التالية:
إيران سوف تستمر في إطلاق الصواريخ، وهذا قرار نهائي لا تراجع عنه، والقصف الصاروخي الذي يستهدف دول الخليج والأردن لن يتوقف وسيتوسع ليشمل أي دولة تنطلق منها أعمال عدائية. القصف الصاروخي الإيراني ستكون له تبعات سياسية في دول الخليج، فهذه الدول التي تعيش شعوبها القهر سيكون لتقويض السلطة فيها بفعل الصواريخ الإيرانية ارتدادات شعبية معارضة في داخلها.
استمرار إيران بضرب الصواريخ على كامل دول الخليج سيحرك الخارطة السياسية في المنطقة، لا سيما إذا حصلت مناوشات برية مع تلك الأنظمة. يقوم اليمن بوظيفة مختلفة عن وظيفة جبهة الإسناد، وهو حاضر لإغلاق باب المندب وضرب المصالح الأميركية على امتداد ساحل الخليج، وقواته البرية متوثبة لأي قرار بالتقدم نحو بلاد الحجاز العربي.
في هذا السياق، أنجز حرس الثورة الإيراني كل التحضيرات اللوجستية والاستخبارية وتأمين خطوط الإمداد التي تمهّد لعملية التقدم برياً، في وقت تستمر القوات الإيرانية بإقفال مضيق هرمز وتضرب سلاسل توريد النفط في الخليج، فيما تقف النخب الأميركية وجزء وازن من الشعب الأميركي ضد قرار ترامب.
أما الشعوب العربية والإسلامية بمن فيهم شعوب مصر وتركيا وباكستان الواعية والمتحررة من التجييش الطائفي "الموسادي" فهي تقف إلى جانب إيران، كذلك شعوب العالم الأحرار.
لا تغيب عن حسابات طهران احتمالية لجوء الكيان الصهيوني إلى استخدام النووي ضدها في حال وصلت الأمور إلى الندية التامة وعدم القدرة على إسقاط النظام، وهو احتمال وارد وله حساباته وإجراءاته. كذلك احتمالية مبادرة جماعات مسلحة إلى استهداف مسبق لمعامل التوليد النووي في" إسرائيل" واردة أيضاً.
لقد اتخذ حرس الثورة قراراً نهائياً بتحريك كل الأدوات والخلايا الأمنية والاستشهادية لاستهداف كل المصالح الأميركية حول العالم، وحصل حرس الثورة على فتوى شرعية من أجل تنفيذ أعمال استشهادية انغماسية هدفها اغتيال من تصل إليه أيدي الاستشهاديين وتتضمن القائمة ترامب، ونتنياهو، وقادة سياسيين، ومسؤولين دبلوماسيين، وقادة عسكريين، ومسؤولين في الإنتاج العسكري، وضباطاً في الاستخبارات حول العالم وبالتحديد في الشرق الأوسط.