كتب: أ. عادل ياسين - خبير في الشؤون الاسرائيلية
قد لا نجد تسمية للعدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران أفضل أو أنسب من تسميته بحرب سلامة نتنياهو، باعتباره المستفيد الأكبر من اندلاعها واتساع رقعتها؛ خصوصًا إذا نجح في تحقيق حلمه بالإطاحة بالنظام الإيراني واستبداله بنظام جديد يلبي رغباته وطموحاته السياسية والاقتصادية، ويمكنه من تحقيق حلم إقامة مملكة يهودا من النيل إلى الفرات، ويسجل نفسه ملكًا لإسرائيل.
الحقيقة أن نتنياهو، المعروف بحنكته السياسية وقدرته على المراوغة والمناورة في إدارة الأزمات، لم يقدم على خطوة بهذا الحجم، رغم ما تشكله من مغامرة ومخاطرة، إلا استنادًا إلى حسابات سياسية داخلية وخارجية يتوقع أن تساعده على تحقيق عدة أهداف:
أولًا: توظيف التحول الأيديولوجي داخل المجتمع الإسرائيلي.
استغلال الحرب على إيران لدغدغة عواطف جمهور اليمين وكسب تأييده، بما يعزز فرص فوزه في الانتخابات القادمة؛ لإدراكه تغير المزاج العام في إسرائيل بعد أحداث السابع من أكتوبر، وانتقاله من الانزياح نحو اليمين إلى اليمين المتطرف. وهو ما يفسر تأييد 81% من الجمهور الإسرائيلي لقرار الحرب على إيران؛ ما يعني أن الحرب على إيران تشكل جزءًا من حملة نتنياهو الانتخابية، رغم ما ترتب ويترتب عليها من زعزعة استقرار العالم ووقوع المزيد من الضحايا.
ثانيًا: الدخول في متاهات وإعادة ترتيب الأولويات.
إشعال جبهة خارجية كبرى يمنح حكومة نتنياهو فرصة لتحويل الأنظار عن القضايا العالقة والشائكة التي تتراكم يومًا بعد يوم دون نجاحها في إيجاد حلول لها، سوى تأجيلها مرة تلو أخرى؛ بدءًا من الخلافات حول قانون التجنيد، وصولًا إلى الأزمة العميقة التي أثارتها التعديلات القضائية. لذلك لم يكن أمام نتنياهو سوى الهروب إلى الأمام وإدخال الجمهور الإسرائيلي في متاهات قد يدفع ثمنها لاحقًا – اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا وأمنيًا.
ثالثًا: تحييد المعارضة السياسية.
إجبار قادة المعارضة على دخول بيت الطاعة واحدًا تلو الآخر، استنادًا إلى المبدأ الذي تبنته إسرائيل على مدار تاريخها: "اصمتوا في زمن الحرب"، بهدف توحيد الصفوف والحفاظ على الحصانة الاجتماعية، باعتبارها ركيزة أساسية يعتمد عليها السياسيون في وقت الحرب.
ما يعني أن نتنياهو يضع خصومه السياسيين أمام معادلة صعبة: إما الاصطفاف خلف الحكومة، أو الظهور بمظهر الخائن الذي يقوض الجبهة الداخلية. وهكذا تتحول المعارضة عمليًا إلى شريك اضطراري في دعم القرار العسكري، ولو مؤقتًا، لتفادي اتهامها لاحقًا بالخيانة.
رابعًا: تحييد أو تجنيد الإعلاميين المعارضين.
الحرب بطبيعتها تفرض مناخًا إعلاميًا يميل إلى التعبئة الوطنية، وسرعان ما تتحول وسائل الإعلام إلى بوق ناطق وداعم للمتحدث باسم الجيش؛ وهو ما يمثل فرصة أمام نتنياهو لتحييد الإعلاميين المعارضين لسياساته ومحاولة إسكاتهم أو تجنيدهم. وقد حقق في هذا المجال نجاحًا جزئيًا تمثل في إعلان الصحفيين المعروفين بعدائهم لنتنياهو، بن كسبيت وأفري جلعاد، وقوفهم إلى جانبه، بل وكيل المدح والثناء له في ضوء الإنجازات الأولية التي حققتها إسرائيل أمام إيران.
خامسًا: تقليص الانتقادات الشعبية أو تغييبها.
لا تزال أحداث السابع من أكتوبر بمثابة جرح سياسي وأمني نازف ترك أثرًا عميقًا في الوعي الإسرائيلي. وقد ترتب على ذلك تفاقم حدة الانقسام الداخلي حول ضرورة تشكيل لجنة تحقيق رسمية لمعرفة المسؤول عما وصف بأكبر إخفاق أمني وسياسي في تاريخ إسرائيل، في ظل المحاولات الحثيثة التي قام بها نتنياهو للتهرب من مسؤوليته عنه. لذلك يرى أن تحقيق إنجاز استراتيجي كبير أمام إيران قد يساعده على خفض وتيرة الانتقاد ويمنحه فرصة للتغطية على فشله في منع ذلك الإخفاق.
سادسًا: محاولة التهرب من كابوس المحكمة.
تحقيق إنجاز استراتيجي في إيران، وما قد يترتب عليه من تحويل إسرائيل إلى قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، يمثل فرصة أمام نتنياهو لحشد الرأي العام المحلي وتجنيده للضغط على الرئيس يتسحاق هرتسوغ لمنحه العفو وإغلاق ملفات الفساد المتهم بها. وقد بدأ المحلل السياسي يعقوب باردوجو بالفعل حملة إعلامية مكثفة لتحقيق هذا الهدف.
خلاصة القول
قد لا تكون الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تمثل معركة سياسية وجودية بالنسبة لنتنياهو نفسه. فنجاحها قد يعيد صياغة موقعه في التاريخ السياسي الإسرائيلي، أما فشلها فقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الأزمات الداخلية، وربما يسرّع من نهاية مسيرته السياسية