تسعى الأطراف المعادية للمقاومة، أي الموالية لأميركا وإسرائيل والمنتمية لـ«محور الإبادة»، إلى تضخيم علامات الاستفهام المثارة حول أسباب الحرب الإسرائيلية التي تشنّ الآن على لبنان، وتحميل مسؤوليتها كاملة للمقاومة ممثلةً بحزب الله مع تجاهل كامل للعدوان الإسرائيلي المستمر منذ سنة ونصف، والذي أدى إلى ارتقاء 396 شهيداً معظمهم استهدف بالمسيّرات التي استباحت سماء لبنان.
غير أن الهدف لدى كثيرين لا يقف عند حدود البحث أو الفهم، بل يتجاوز ذلك إلى السعي لزرع الشك في أصل خيار المقاومة، والتقليل من قيمة ما حققته منذ تأسيسها. ومع الإقرار بأن بعض الأسئلة المطروحة مشروعة إن كان صاحب السؤال جاهلاً بمعنى المقاومة، أو حقيقة ما يحصل وما تخطط له تل أبيب ومعها واشنطن. ومع ذلك، الإجابات المتداولة عليها كثيراً ما تبقى قاصرة، سواء بسبب محدودية المعلومات المتصلة بالجانب الإسرائيلي، أو بسبب سوء تقدير هذه المعطيات (عند بعض الجهات في لبنان) وعدم إدراجها في سياقها الصحيح.
أبرز ما يلفت في القراءات المعادية للمقاومة، مهما كانت دوافع أصحابها، أنها تتعامى عن حقيقة ثابتة في الوعي السياسي والأمني الإسرائيلي، وهي أن حزب الله يتصدر سلّم التهديدات التي تواجه الأمن القومي للكيان. ومن هذا المنطلق، سخّرت إسرائيل قدرات كبيرة لمواجهته، وكرّست سنوات طويلة من التخطيط والتحضير منذ التحرير عام 2000 وبعد حرب تموز 2006، وتحديداً بعد حرب إسناد غزة التي صمدت فيها المقاومة وأحبطت أهداف العدو، تمهيداً لمعركة كانت ترى فيها محطة حاسمة.
وقد ظهرت معالم هذا الإعداد بوضوح في الحرب التدميرية الواسعة التي شنها العدو في أيلول 2024، كما تتجلى اليوم في الحرب المستمرة، في ظل عجزه عن بلوغ بنك أهداف محدد وواضح، والدليل على ذلك إنذارات الإخلاء للضاحية الجنوبية لبيروت وجميع مناطق جنوب الليطاني، بالإضافة إلى بعض منطق البقاع والبقاع الغربي، بمعنى آخر، العدو لا يمتلك بنك أهداف واضح.
قرار الحرب
العنصر الحاسم في تكوين قرار العدو بشن الحرب ارتبط بجملة التحولات التي أفرزتها الحروب الأخيرة داخل الكيان الإسرائيلي نفسه، وهي تحولات وفرت لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل دافعاً للذهاب نحو حرب إقليمية. وفي المرحلة الأولى، دار النقاش داخل دوائر القرار لدى العدو حول نقطة البداية: هل تكون من لبنان عبر محاولة إنهاء حزب الله، أم من إيران عبر السعي إلى إسقاط النظام هناك؟
هذا الجدل برز منذ الأيام الأولى التي أعقبت العدوان الإسرائيلي على إيران، حيث طُرحت داخل الجيش الإسرائيلي، وبدفع أميركي، فكرة تنفيذ عملية برية متزامنة مع هجوم جوي واسع النطاق، على أن تبدأ باستهداف الضاحية الجنوبية وتنفيذ سلسلة اغتيالات، بهدف مباغتة حزب الله وإدخاله في حرب مدمرة. وقد استند هذا الطرح إلى تقدير مفاده أن الحزب قد يفترض انشغال إسرائيل الكامل بجبهتها مع إيران، وهي الحرب التي لم تتمكن تل أبيب حتى الآن من تحقيق نتائج حاسمة فيها.
ولكن على أرض الواقع، محاولة إنهاء حزب الله وإبعاده عن الحدود مع فلسطين المحتلة إلى ما وراء جنوب الليطاني، باءت بالفشل، فمع توغل أولى دبابات وجنود العدو، لاقتها المقاومة بصواريخ موجهة أطلقت من مسافة قريبة، فضلاً عن الكمائن والاشتباكات من مسافة صفر بين المقاومة والعدو في قرى الحافة الأمامية مثل كفركلا والخيام.
أما محاولة إسقاط النظام في إيران، فشلت أيضاً، فبعد استهداف المرشد الأعلى السيد علي خامنئي في مقر إقامته بالعاصمة، انطلقت الصواريخ الإيرانية ودكّت معظم القواعد الأميركية في المنطقة منها قطر والبحرين والأردن والسعودية والإمارات ودبي.
ولذلك عمدت المقاومة إلى إطلاق 6 مقذوفات من جنوب لبنان بمثابة تحذير وتذكير بضرورة الرد على الخروقات، يأخذ في الحسبان أن لا تتسبّب في دفع العدو إلى حرب كبرى على لبنان. إلا أن ذلك لم يحل دون تحقق هذا السيناريو لأن العدو كان قد أعدّ العدّة لهذا الخيار، ولم يكن ينقصه سوى تحديد التوقيت وهو أمر كان مرتبطاً بالدرجة الأولى بمآلات الحرب على إيران ومجرياتها. وهنا أكّدت المقاومة الاسلاميّة أنها «معنية بالدفاع عن أرضها وشعبها خصوصا مع تجاوز العدو الإسرائيلي الحدود بإجرامه»، و«جاء ردّها على مواقعَ عسكرية لا كما يفعل العدو باستهدافه المدنيين، وهذا أقل الواجب للجمه ومنعه من التمادي في أهدافه الخطيرة على لبنان دولةً وشعباً ومقاومة».
على الرغم من الرفض اللبناني الواضح وما صدر عن الرئاسة الأولى والثالثة، بتحميل كافة المسؤولية للمقاومة، وإعطاء أوامر للجيش اللبناني بالانسحاب من القرى الحدودية وإلقاء القبص على عناصر المقاومة. فقد أصبح واضحاً أن كل مقدمات شن الحرب على لبنان كانت متوافرة، وإن لم يبدُ هذا السيناريو لدى السلطات في لبنان حتمياً.
المصدر: الأخبار اللبنانية
