في زاوية هادئة من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، تجلس حُسن عامر أمام ماكينة خياطة قديمة يتجاوز عمرها المئة عام، تحرّكها ببطء بينما تنساب خيوط القماش بين يديها، لم تعد هذه الماكينة مجرد أداة عمل، بل رفيقة رحلة طويلة من الصبر والكفاح، ما زالت مستمرة رغم النزوح والتعب وضيق الحال.
وسط حياة تغيّرت كثيرًا بعد الحرب، يبقى صوت الماكينة يتردد كإيقاع صغير يقاوم الصمت، وكأن حُسن تحاول عبر خيوطها أن تخيط ما تبقى من تفاصيل يومها.
بدأت حكاية حُسن مع الخياطة عام 1979، عندما التحقت بدورة لتعلم هذه المهنة، وأنهتها في العام التالي، في البداية كانت تخيط لأسرتها فقط لتتقن العمل، قبل أن تبدأ تدريجيًا بخياطة الملابس للناس مقابل مبلغ بسيط، لتفتح بذلك أول أبواب رزقها.
لكن الماكينة التي تعمل عليها اليوم تحمل قصة أقدم من ذلك بكثير؛ فهي إرث عائلي توارثته الأجيال، فقد كانت جدتها تعمل في الخياطة، ثم انتقلت المهنة والماكينة من جيل إلى آخر داخل العائلة، لتبقى شاهدة على سنوات طويلة من العمل والصبر.
وتغيّرت حياة حُسن كثيرًا بعد الحرب الأخيرة، إذ دُمّر منزلها وخسرت معظم ما تملك، وعند النزوح لم تأخذ معها سوى ماكينة الخياطة القديمة، وانتقلت إلى شارع خمسة في خانيونس، حيث بدأت العمل من جديد، تخيط للناس مقابل مبالغ بسيطة، مراعيةً ظروفهم رغم حاجتها.
ومع مرور الوقت أصبحت الماكينة مصدر دخلها الوحيد، لكنها لم تعد قادرة على العمل كما في السابق، فسنوات الجلوس الطويلة خلفها تركت أثرها على جسدها، إذ تعاني من ضعف في البصر وآلام مستمرة في الظهر، ما يجبرها على العمل لفترات قصيرة فقط.
تعيش حُسن مع والدتها المريضة وأختها الكبيرتين في السن، وتحتاج والدتها إلى علاج دائم وحفاضات طبية مرتفعة الثمن، ما يزيد من الأعباء المعيشية عليها، ومع تراجع قدرتها على العمل، تحاول توفير الحد الأدنى من احتياجات المنزل بما تستطيع كسبه من الخياطة.
وتقول شقيقتها إن حُسن تحملت عبئًا كبيرًا طوال سنوات، إذ قضت ساعات طويلة خلف الماكينة لتأمين احتياجات الأسرة اليومية، رغم أن الأجر الذي تتقاضاه بسيط ولا يغطي سوى جزء من المصاريف.
وتضيف: "عملها شاق ومتعب، لكنها دائمًا تراعي ظروف الناس ولا تطلب منهم مبالغ كبيرة. ومع ذلك فإن وضعها الصحي لم يعد يسمح لها بالعمل لفترات طويلة، فآلام ظهرها وضعف بصرها يقيّدانها كثيرًا".
وتتابع: "حتى أنا لا أستطيع مساعدتها بسبب وضعي الصحي، وأرى كيف تكافح يوميًا لتوفير الاحتياجات الأساسية في ظل هذه الظروف الصعبة".
وفي رسالة بمناسبة يوم المرأة، تؤكد العائلة أن المرأة الفلسطينية قادرة على الصمود رغم كل التحديات، وأنها تستحق الدعم والتقدير لما تبذله من جهد في مواجهة صعوبات الحياة.
وفي مخيم خانيونس، تظل ماكينة حُسن تدور ببطء، حاملة معها حكاية صمود طويلة. وكأن خيوطها المتشابكة تحاول أن تخيط بصبر ما تبقى من تفاصيل الحياة، ليبقى صوتها إيقاعًا صغيرًا يرفض الاستسلام، ويشهد على رحلة امرأة لم تنكسر رغم كل شيء.