كتب: أ. عادل ياسين | مختص بالشأن الإسرائيلي
بعد مرور أكثر من أسبوعين على العدوان الثنائي الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، وما شهدته الساعات الأخيرة من تطورات خطيرة تمثلت بالاستهداف الأمريكي لجزيرة خرج الإيرانية، التي تُعدّ من أهم البنى التحتية النفطية، وما تبعه من تهديدات إيرانية بالرد، نستطيع القول إننا أمام مجموعة من المؤشرات الأولية التي قد تساعد في تحديد السيناريو الأرجح لإنهاء الحرب.
ورغم تباهي الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية بما تعتبرانه إنجازات عسكرية تمثلت في اغتيال عدد من القادة العسكريين والسياسيين وتدمير منشآت عسكرية ومدنية داخل إيران، فإن مجريات الميدان تكشف صورة أكثر تعقيدًا؛ إذ تمكنت إيران، رغم الضربات القاسية التي تعرضت لها، من تحقيق عدة إنجازات مهمة، من بينها:
أ. نجاحها في تجاوز الضربة الأولى واستيعاب الضربات المتتالية، بالتزامن مع مواصلة توجيه ضربات للعمق الإسرائيلي وللقواعد الأمريكية في المنطقة؛ وهو ما يحمل رسالة تؤكد امتلاكها القدرة على الصمود لفترة أطول، خلافًا لتقديرات المستوى السياسي والعسكري أمريكيًا وإسرائيليًا.
ب. إن الرد على القصف بالقصف، والتهديد بالتهديد، يدل على أن إيران قد نجحت – على الأقل في هذه المرحلة – في تحويل الحرب الخاطفة التي خطط لها نتنياهو وترمب إلى حرب استنزاف يصعب على الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية تحمل تبعاتها وتداعياتها. وهو ما يفسر التسريبات حول الضغوط التي بات يتعرض لها ترمب من الداخل لإنهاء الحرب، في ظل الخشية من اتساع رقعتها وزيادة تكلفتها البشرية والاقتصادية.
ت. لم يقتصر نجاح إيران في امتصاص الضربة الأولى على الجانب العسكري فحسب، بل امتد إلى الجانب السياسي أيضًا؛ إذ سارعت إلى تعيين مرشد جديد لتفويت الفرصة على من راهنوا على إحداث حالة من الفراغ السياسي، تمهيدًا لتهيئة الظروف لخروج الشارع الإيراني بمظاهرات، أو لقيام مجموعات كردية مسلحة بعمليات داخل إيران لإسقاط النظام من الداخل.
ث. فشل محاولات نتنياهو في جرّ دول عربية وغربية إلى الانخراط المباشر في الحرب، وهو ما أبقى العبء العسكري والسياسي للحرب واقعًا بصورة أساسية على إسرائيل والولايات المتحدة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
ج. قرار حزب الله الانخراط في الحرب شكّل ضربة قوية وقاسية لإسرائيل، وكشف مرة أخرى عن خطأ تقديراتها الأمنية؛ إذ اعتقدت أن الضربات الموجعة التي تعرض لها الحزب، إلى جانب التهديدات، ستكون كافية لمنعه أو ردعه من المشاركة في الحرب، وهو ما كان سيتيح لإسرائيل التفرد بإيران أولًا، ثم التفرغ لاحقًا لمواجهة الحزب.
ح. إن تصريحات نتنياهو وترمب حول تهيئة الظروف أمام الشارع الإيراني لإسقاط النظام تُعد بمثابة اعتراف ضمني بصعوبة إسقاط النظام بالقوة العسكرية.
هذه المؤشرات تكفي لتفسير التناقض في تصريحات ترمب بين الحديث عن قرب انتهاء الحرب وبين استمرار التهديدات بتوسيع وتعميق الضربات؛ بل إنها تدل على حالة من الارتباك الأولي والفجوة بين الرغبة في تحقيق الأهداف المعلنة وما يحدث على أرض الواقع، في ظل الخشية من تكبد المزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية، التي سيكون لها دور في تحديد مستقبله وإرثه السياسي. كما أنها كفيلة بتحريك الشارع الأمريكي للخروج في مظاهرات تطالب بوقف الحرب، باعتبارها حربًا تخدم مصلحة إسرائيل ونتنياهو على وجه الخصوص، في حين أن الولايات المتحدة هي التي تتحمل الجزء الأكبر من تكلفتها.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو إمكانية تحقيق حسم عسكري سريع ضد إيران محدودة للغاية، إن لم تكن مستحيلة. فقد أظهرت طهران قدرة ملحوظة على التأقلم مع الضربات واستخلاص الدروس منها واستثمار نقاط الضعف لدى خصومها. كما أنها تستفيد من عوامل موضوعية مهمة، من بينها مساحتها الجغرافية الشاسعة وطبيعتها الجغرافية المعقدة، فضلًا عن حقيقة يقرّ بها كثير من الخبراء العسكريين، وهي أن الحسم العسكري في الحروب الكبرى نادرًا ما يتحقق عبر الاعتماد على سلاح الجو مهما بلغ من قدرة تدمير عسكرية.
ومع شبه استحالة تحقيق الحسم، رغم الفارق الكبير في القوة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ومع تعقيدات التعايش مع التداعيات الخطيرة والمكلفة لحرب الاستنزاف، قد لا تجد الإدارة الأمريكية مخرجًا سوى العودة إلى طاولة المفاوضات. وهو سيناريو قد يتحقق في حال تزايد الضغوط الداخلية، وتحرك الشارع الأمريكي والأوروبي للمطالبة بوقف الحرب وإنقاذ العالم من ويلاتها.
