نضال أبو شربي – غزة
رغم الحصار والظروف الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة، يواصل المواطنون تمسّكهم بعاداتهم الشعبية كوسيلة لصناعة الفرح وتخفيف وطأة الواقع. ومن أبرز هذه العادات، يبرز الفسيخ كطبق تراثي يجمع العائلات ويعيد إلى البيوت شيئًا من البهجة، خاصة في مواسم العيد.
مع اقتراب العيد، ومع غياب كثير من مظاهر الاحتفال، ابتكر بعض الباعة تجربة محلية لإحياء تقليد الفسيخ الغزي، بصناعة وجبات بسيطة من السمك المتوفر في السوق، ليحافظوا على طقوس العيد رغم الإمكانيات المحدودة.
في الأسواق الشعبية بمدينة غزة، يظهر الفسيخ كضيف معتاد على موائد العائلات، حيث يقول المواطن أبو محمد: "رغم الغلاء والظروف الصعبة، بنحاول نجيب فسيخ ولو بكميات بسيطة عشان نفرّح أولادنا ونحس إنو لسه في حياة طبيعية."
ويضيف البائع أحمد محمد من سوق الزاوية: "الفسيخ إله زباينه دائمًا، الناس تعتبره عادة قديمة وكثير من العائلات بتشتريه لتجتمع حوالين المائدة وتغيّر الجو."
وليس الطعم وحده ما يمنح الفسيخ قيمته، بل الأجواء العائلية المصاحبة لتناوله، حيث يجتمع أفراد الأسرة حول المائدة، يضحكون ويتبادلون الأحاديث، محاولة التغلب على صعوبة الواقع. تقول أم أحمد، أم لخمسة أطفال: "يمكن الفسيخ أكلة بسيطة، لكن لما نجتمع كلنا حوالين السفرة بنحس بفرحة كبيرة، كأننا رجعنا لأيام أحلى."
ويؤكد البائع صلاح محمد من منطقة الساحة: "الوضع صعب جدًا هذه الأيام، والمواد الأساسية قليلة، لكن الناس بدها تفرح بالعيد ولو بشيء بسيط. لذلك حاولنا نصنع فسيخ بطريقة محلية من السمك المتوفر في السوق، حتى نحافظ على عادة الناس في العيد."
ويضيف آخر عند مفترق السامر: "زمان كان الفسيخ متوفر أكثر، لكن اليوم بنحاول نعمل أي شيء حتى نرسم ابتسامة على وجوه الناس. العيد بدون أكلاته الشعبية ما إله طعم، وإحنا بنحاول نخلي للعيد نكهته حتى لو بالإمكانيات البسيطة."
يتفقد المواطنون البسطات الصغيرة، فبالنسبة للكثيرين، لا يتعلق الأمر بالطعام فقط، بل بذكريات العيد ومحاولة الحفاظ على روح الاحتفال. يقول محمود، بائع فسيخ بمنطقة الجندي المجهول: "الناس مشتاقة لأي جو من أجواء العيد. حتى لو اشترى الزبون كمية بسيطة، المهم يشعر أن العيد موجود وأن الحياة مستمرة رغم كل شيء."
تثبت هذه العادات البسيطة أن سكان غزة قادرون على التمسك بالحياة وصناعة لحظات من الفرح وسط تحديات يومية كبيرة. فالمائدة الفلسطينية كانت دائمًا مساحة للقاء والتكافل، حتى في أصعب الظروف.
قد يبدو الفسيخ مجرد طبق شعبي، لكنه في غزة يحمل معنى أكبر؛ رسالة صمود وتمسّك بالحياة. بين رائحة السمك المملح وضحكات العائلات، يثبت أهل غزة أن الفرح يمكن أن يولد من أبسط الأشياء، وأن قدرة الغزيين على صناعة المعجزات لا تعرف المستحيل، حتى في أصعب الأوقات.