قائمة الموقع

بالصور رُغم القهر نساء غزة يصنعن الفرح برائحة كعك العيد

2026-03-18T19:32:00+02:00
كعك العيد
شمس نيوز - نضال أبو شربي

رغم القصف، وضيق الحال، ومرارة النزوح، لا تزال نساء غزة ينسجن خيوط الفرح بأبسط الإمكانيات، داخل خيام مهترئة لا تقي حرًا ولا بردًا، تعود رائحة كعك العيد لتعلن أن الحياة لم تنكسر، وأن العيد—وإن غاب في ملامحه—لا يزال حيًا في القلوب. هنا، حيث الألم حاضر في كل زاوية، تصر الأمهات على أن تظل الفرحة ممكنة، ولو بقطعة كعك تُصنع على نار الحنين.

داخل مخيمات النزوح، تتحول الخيام إلى مطابخ صغيرة، تتشارك فيها النساء ما توفر من دقيق وسكر وتمر، في مشهد يختلط فيه التعب بالأمل. تجلس الأمهات على الأرض، يعجنّ بأيديهن التي أنهكها الفقد، ويبتسمن لأطفالهن وكأنهن يخفين خلف تلك الابتسامة حكايات من الألم لا تُروى.

أم نضال موسى.. صانعة فرحة العيد رغم النزوح

تجلس أم نضال موسى في زاوية صغيرة من الخيمة تحيط بها أوعية العجين وأدوات متواضعة، لكنها تصنع بها ما هو أكبر من الكعك والمعمول، فهي تصنع ذاكرة، وتُعيد للعيد معناه، كانت في السابق تبدأ استعداداتها قبل أيام، أما اليوم فتصارع الظروف لتبقي على هذه العادة حيّة.

تبتسم أم نضال وتقول: "قبل الحرب، كنت أبدأ قبل العيد بيومين، أجهز كل شيء بالبيت، الدقيق، التمر، السكر، والسمن، وبعد صلاة التراويح مباشرة أبدأ بالعجن، وأظل أشتغل لغاية الفجر، وكانت البنات حواليّ، نضحك ونغني، والبيت كله ريحة كعك ومعمول كان إلها طعم ثاني".

ثم تتنهد قليلًا وتضيف: "اليوم كل شيء تغيّر، لا بيت ولا مطبخ ولا حتى مواد كافية، لكن نحاول نجمع اللي متوفر، ولو كان قليل، العجن صار على الأرض، والنار بدائية، بس الإصرار هو نفسه… يمكن أقوى كمان."

 

وتتابع بعينين يملؤهما الإصرار: "أولادي بدي أحسسهم إنه العيد لسه موجود. هم تعبوا وخافوا كثير، وهاي الأشياء البسيطة بتفرحهم. حتى لو قطعة كعك صغيرة، بتفرق معهم كثير."

وعن شعورها تقول: "زمان كنت أشتغل وأنا مبسوطة ومتحمسة، اليوم بشتغل وأنا موجوعة، بس بنفس الوقت عندي أمل. يمكن الفرحة مش كاملة، بس بنحاول نخلقها من العدم."

وتبتسم قليلًا وتضيف: "آه، البنات لسه بيساعدوني. يمكن المكان ضيق، بس الروح نفسها. بنقعد سوا، نلف الكعك ونحشيه، ونحكي عن أيام زمان وكأننا بنرجع شوي للحياة اللي كانت."

ثم تقول بحزم: "مش بس أكل… هذا صمود. هذا تحدي. إحنا بنقول إنه رغم كل شيء، لسه في عيد، ولسه في حياة."

وتنظر للأعلى قليلًا وتضيف: "إحنا شعب بنحب الحياة رغم كل الوجع. بدنا نعيش بكرامة ونفرح زي باقي الناس. يمكن الكعك بسيط، بس وراه قصة كبيرة من الصبر والقوة."

أم نضال موسى ليست مجرد امرأة تُعدّ كعك العيد، بل هي حكاية صمود تُروى في كل خيمة، وذاكرة تحاول النجاة من تحت الركام. وبين يديها المتعبتين، يولد العيد من جديد… ولو على استحياء.

"الشيف أم زكي".. كعك العيد برائحة التراث

وفي مطبخها الصغير بحي الأمل في خان يونس، تقف نورة سامي أبو عودة (35 عامًا)، المعروفة بـ"الشيف أم زكي"، لتُعدّ كعكات العيد الفلسطينية التقليدية، استعدادًا لاستقبال عيد الفطر المبارك، في مشهد يحمل بين تفاصيله عبق التراث وروح الصمود.

أسست أبو عودة مشروعها "مطبخ الشيف أم زكي" قبل عشر سنوات، ليكون مصدر رزق لها ولعدد من النساء اللواتي يعملن معها، في محاولة للحفاظ على فن الخَبز التقليدي وتوفيره للعائلات الغزية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

ورغم تداعيات الحرب والتحديات اليومية، تواصل أبو عودة عملها بإصرار، حيث تتحول رائحة الكعك الطازج إلى رسالة أمل، تُذكّر الأهالي بفرحة العيد التي لا تغيب مهما اشتدت الأزمات.

وفي لقطة مقرّبة، تظهر أبو عودة وهي تعرض كعكات العيد الذهبية الجاهزة لتصل إلى موائد العائلات، وتُعيد إحياء طقوس الفرح التي يتمسك بها الفلسطينيون جيلاً بعد جيل.

وتقول أبو عودة: "رغم كل الظروف، بنحاول نحافظ على فرحة العيد.. الكعك مش بس أكل، هو جزء من ذاكرتنا وتراثنا."

وتضيف: "هذا المشروع مش إلي لحالي، هو لكل سيدة بتشتغل معي وبتحاول تساعد عيلتها بكرامة."

بين رائحة الكعك وصوت الأفران، تكتب نساء غزة حكايات صمود جديدة، حيث يتحول العمل البسيط إلى رسالة حياة، تؤكد أن الفرح يمكن أن يولد حتى من قلب المعاناة.

ورغم غياب الأفران التقليدية، تلجأ النساء لوسائل بدائية—كالأفران الطينية أو حتى صفائح معدنية فوق نار مكشوفة—لإتمام هذه الطقوس التي ورثنها جيلًا بعد جيل. الكعك هنا ليس مجرد حلوى، بل رسالة صمود، ووسيلة لمقاومة الانكسار.

الأطفال، الذين حُرموا من أبسط حقوقهم، يجدون في تلك اللحظات فسحة أمل. تتلألأ أعينهم وهم يراقبون أمهاتهم، وينتظرون قطعة كعك ربما تكون الوحيدة هذا العيد، لكنها تحمل طعم الأمان.

هذه العادة القديمة، التي كانت يومًا ما جزءًا من أجواء مبهجة داخل البيوت، أصبحت اليوم فعل مقاومة إنساني داخل الخيام. فالكعك في غزة لم يعد مجرد طقس، بل إعلانًا صامتًا أن الفرح لا يُقصف، وأن الحياة تستمر رغم كل شيء.

في غزة، لا يُقاس العيد بعدد الزينة ولا بوفرة الموائد، بل بقدرة الناس على التمسك بالحياة رغم وجعها. نساء الخيام، وهنّ يصنعن الكعك، يكتبن رسالة للعالم: أن الفرح قد يُحاصر، لكنه لا يموت. وبين دخان النار ورائحة العجين، يولد عيدٌ مختلف… عيدٌ عنوانه الصبر، ونكهته الكرامة.

اخبار ذات صلة