مع اقتراب عيد الفطر السعيد، تبدو أسواق قطاع غزة وكأنها تحاول أن تستعيد شيئًا من نبض الحياة، لكنها لا تزال تتحرك بخطى بطيئة تحت وطأة واقع اقتصادي قاسٍ، إذ تتجول العائلات بين المحال بعينٍ تبحث عن فرحة لأطفالها، وأخرى تحسب ما تبقى في الجيب من قدرة على الشراء، فملابس العيد، التي كانت يومًا رمز البهجة والبداية الجديدة، أصبحت اليوم حلمًا بسيطًا تحاول كثير من الأسر تحقيقه رغم الضيق وقلة الإمكانات.
ويختلف المشهد هذا العام عن السنوات الماضية التي كانت تمتلئ بالحركة والازدحام، حيث يتسابق الأهالي لشراء ملابس العيد والهدايا لأطفالهم، أما اليوم فيبدو المشهد مختلفًا تمامًا، فالحرب والدمار وإغلاق المعابر أدت إلى نقص البضائع وارتفاع الأسعار بشكل غير مسبوق، ما جعل فرحة العيد باهتة لدى كثير من العائلات التي بالكاد تستطيع توفير احتياجاتها الأساسية.
ورغم دخول بعض البضائع إلى القطاع خلال الأشهر الماضية عبر المعابر، إلا أن ما وصل منها لا يزال محدودًا ولا يلامس حجم الحاجة الحقيقية للسكان.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الإمدادات لا تغطي سوى نحو 30% من الاحتياجات، ومعظمها يقتصر على المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية، في حين تبقى المواد الخام اللازمة للإنتاج شحيحة.
وفي سوق عمر المختار، المعروف بالساحة، كانت أم محمد مجدي تتنقل بين المحال التجارية بخطوات مترددة، تحدق في واجهات الملابس وتحاول أن تختار ما يناسب بناتها الأربع وابنيها، بما يتلاءم مع ما تملكه من نقود محدودة.
وتقول أم محمد: "بعد عامين من الحرب، شعرنا أنه من حق أطفالنا أن يفرحوا ولو بشيء بسيط، أردنا أن نعوضهم جزءًا مما عاشوه من خوف وحرمان، فكانت ملابس العيد هي أقل ما يمكن أن نقدمه لهم؛ لكن للأسف اصطدمت هذه الرغبة بالواقع الصعب والأسعار المرتفعة جدًا في سوق الملابس بغزة".
وتضيف بحسرة: "نعيش ظروفًا اقتصادية سيئة جدًا، ونحن نحاول أن نزرع الفرح في قلوب أطفالنا، لكننا نصطدم بأسعار عالية وبضائع ليست بنفس الجودة التي كانت موجودة قبل الحرب".
وتتابع قائلة: "اضطررت لشراء طقم واحد فقط لكل بنت وولد، حتى أتمكن من تدبير احتياجاتهم قدر الإمكان، اعتمدت على ما ادخرته من زيارات أهلي ومن راتب زوجي، لكن المبلغ لم يكن كافيًا، فاضطررت لاقتراض جزء من المال حتى أستطيع إكمال شراء الملابس للبنات".
كما وصفت حركة التسوق في السوق بأنها خجولة للغاية، موضحة أن معظم العائلات تكتفي بشراء قطعة واحدة فقط، وربما يكتفي البعض بشراء بنطال جديد مع استخدام قميص قديم، في محاولة لتخفيف الأعباء وسط الظروف الاقتصادية الصعبة.
أما المواطنة أم يزن عبدالقادر، وهي أم لثلاثة أطفال، فتروي معاناتها مع تسوق ملابس العيد قائلة: "عندما خرجت إلى السوق لشراء ملابس العيد لأطفالي، فوجئت بارتفاع الأسعار بشكل كبير وغير متوقع".
وتضيف: "لم أكن وحدي من يبحث عن السعر الأقل، فمعظم الأمهات يقمن بجولات طويلة بين المحلات ويبدأن بالمفاصلة مع التاجر للحصول على أقل سعر ممكن، في محاولة لتوفير ما تبقى من المال لشراء حذاء جديد أو قطعة إضافية للطفل".
وتتابع حديثها قائلة: "عانيت كثيرًا في اختيار الملابس المناسبة لطفليّ وفي الوقت نفسه التي تتناسب مع قدرتي المالية، فكيف هو الحال مع العائلات التي لديها أربعة أو خمسة أطفال؟ بالتأكيد المعاناة لديهم أكبر".
وتوضح أن هناك العديد من العائلات الفقيرة والمهمشة التي لم تتمكن من شراء ملابس العيد لأطفالها حتى الآن، مشيرة إلى أن كثيرًا منهم يعتمدون على مبادرات الجمعيات الخيرية وكسوة العيد، وما زالوا ينتظرون حتى الأيام الأخيرة من شهر رمضان على أمل إدخال بعض الفرح إلى قلوب أطفالهم.
من جهتهم، يؤكد عدد من التجار أن موسم العيد، الذي كان في الأعوام السابقة يشكّل فرصة لتعويض جزء من خسائرهم السنوية، لم يحقق حتى الآن الحركة المأمولة في أسواق غزة.
ويشير التجار إلى أن حركة الشراء ما تزال ضعيفة مقارنة بالسنوات الماضية، حيث يقتصر إقبال المواطنين غالبًا على شراء الضروريات فقط أو قطعة ملابس واحدة للأطفال، في محاولة للتخفيف من الأعباء المالية التي تعيشها العائلات.
بدوره يقول البائع محمد، صاحب أحد محال بيع الملابس، إن الإقبال على شراء ملابس العيد لا يزال محدودًا، موضحًا أن الكثير من المواطنين يكتفون بالتجول داخل الأسواق ومتابعة الأسعار دون اتخاذ قرار الشراء. ويرجع ذلك إلى حالة القلق التي يعيشها الأهالي، خاصة مع التخوف من أي تطورات أمنية قد تؤدي إلى إغلاق المعابر مرة أخرى.
ويضيف أن عددًا كبيرًا من العائلات يفضل الانتظار حتى الأيام الأخيرة من شهر رمضان لشراء ملابس العيد لأطفالهم، إلا أن هذا الانتظار لا ينجح في تعويض حالة الركود التي تعاني منها الأسواق، في ظل إعطاء معظم الأسر الأولوية لتأمين احتياجاتها الأساسية.
ويتابع أن الحركة القليلة التي يشهدها السوق تعود في الغالب إلى بعض العائلات التي ما تزال ظروفها المادية أفضل نسبيًا، إضافة إلى الشباب المقبلين على الزواج الذين يحرصون على شراء احتياجاتهم رغم الظروف الصعبة.
ويؤكد أن الحرب وما خلفته من بطالة وفقر أثرت بشكل كبير على قدرة المواطنين على التسوق، وهو ما جعل الأسواق أقل ازدحامًا من المعتاد في مثل هذه الأيام.
ورغم الظروف الصعبة، لا تزال بعض المحلات التجارية وأصحاب البسطات، سواء الملابس أو الحلويات، تعرض بضائع محدودة من ملابس الأطفال والنساء والرجال، إلا أن التجار يؤكدون أن الكميات أقل من المعتاد بسبب صعوبة إدخال البضائع إلى القطاع.
ويرجع ذلك إلى إغلاق المعابر أو تقليص عدد الشاحنات التي تدخل إلى غزة، ما أدى إلى نقص في العديد من السلع وارتفاع أسعارها.
وأكدت المواطنة أم سليمان سعيد أن: "الأسواق موجودة والملابس موجودة، لكن الأسعار فوق قدرة الناس، وكثير من العائلات خرجت من الحرب بلا بيت ولا مصدر دخل".
ويؤكد بعض المواطنين أنهم اضطروا إلى التخلي عن شراء ملابس العيد والتركيز فقط على توفير الغذاء والاحتياجات الضرورية لأسرهم، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار ونقص السلع.
وبين محال الملابس المفتوحة وأعين الأطفال التي تبحث عن فرحة العيد، تبقى أسواق غزة شاهدة على واقع صعب يعيشه السكان بعد الحرب. ورغم محاولات الأهالي الحفاظ على طقوس العيد، إلا أن ارتفاع الأسعار ونقص البضائع جعل الاستعدادات هذا العام محدودة، لتبقى أمنية الكثير من العائلات أن يأتي العيد القادم وقد عادت الحياة الطبيعية إلى شوارع غزة وأسواقها.
