غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

غزة تختفي عن الشاشات

بقلم: وسام المقوسي - صحافي فلسطيني وباحث في علوم الإعلام والاتصال

 

لا مبرر مقنعاً لاختفاء غزة والخبر الفلسطيني من شاشات التلفزيون ونشرات الأخبار، أو لتحويلها من عنوان دائم إلى خبر عابر يُدفع إلى أسفل الشريط، وربما يغيب تماماً. لساعات طويلة تمرّ دون أن نرى مراسلاً يتحدّث من هناك، أو محللاً يناقش ما يجري في القطاع وإلى أين وصلت التطورات هناك! وكأن المدينة التي كانت محور العالم قبل أشهر قد أُسدل عليها الستار فجأة!

المفارقة هنا أن غزة لم تكن حدثاً هامشياً قط، بل كانت الشرارة التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي برمته، ودفعت ثمناً بشرياً هائلاً — عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمفقودين— لا يمكن أن تتحول قصتها إلى "ملف قديم" لمجرد أن الكاميرات اتجهت إلى مكان آخر مع ظهور أزمات جديدة في المنطقة.

السؤال الجوهري المطروح الآن: هل من المقبول أن تختفي مأساة بهذا الحجم لأنها لم تعد "جديدة"؟ هل غابت غزة لأنها هدأت أم لأنها تُركت لمواجهة مصيرها بصمت؟ ومن المسؤول عن هذا الغياب؟ وهل ما يحدث مجرد تبدّل طبيعي في الأولويات الإعلامية؟ أم هناك من يتعمد صرف أنظار العالم بعيداً عنها؟

جزء من الإجابة على هذه الأسئلة المشروعة يعود إلى طبيعة الإعلام نفسه: الأخبار تُبنى على الجِدّة والحداثة، وما يتكرر يومياً يفقد قيمته الخبرية لاحقاً، مهما كان الحدث مأساوياً. كذلك ينظر للإعلام على أنه بطبيعته يطارد الأخبار الفورية والمثيرة لا شك، وحين تقع أزمة أكثر درامية بالصورة، تتحرك العدسات نحوها فوراً، غير آبهة بما سبق. هذا هو منطق "الأولوية الإخبارية" و"الأجندة" في القنوات الإخبارية، وهو سلوك غير منصف بطبيعته لكنه واقع مؤسف.

لا أقلل في هذا الصدد من الأحداث والتطورات المتسارعة في لبنان وإيران أو المنطقة برمتها، فكل أزمة إنسانية وسياسية تستحق الاهتمام، فالأحداث الجارية بجوهرها لا تنفصل عن غزة؛ لذلك لا يجب أن يكون الحدث الحاصل على حساب اختفاء غزة تقريباً من المشهد الإعلامي وحتى الأجندة السياسية الدولية، رغم أنها لم تخرج للحظة من دائرة الخطر والتصفية الإسرائيلية، وما زالت الحياة فيها تُدار وسط كارثة مستمرة لم تنته بعد.

الغياب الذي تتعرض له غزة لم يقتصر على القنوات العربية والدولية، بل امتد — بدرجات متفاوتة — إلى القنوات الفلسطينية، التي انساقت بقصد أو دون قصد إلى مبررات مواكبة المشهد، فتم تقليص حضور غزة وتغييب المشهد الأكثر مأساة في التاريخ عن شاشتها.

ولست هنا بصدد اتهام أحد بمؤامرة صريحة، فالأمر غالباً نتيجة طبيعة العمل الإعلامي؛ لكنه ليس بريئاً تماماً أو عفوياً بالكامل، لأن الغياب الواضح للخبر الفلسطيني في وسائل الإعلام المختلفة ليس مبرراً أيضاً.

وإذا أضفنا بعداً آخر، يصبح الغياب أكثر خطورة: فالإبقاء على قضية غزة خارج دائرة الضوء الإعلامي يخدم أهدافاً إسرائيلية واضحة، ويقلل من الضغط الدولي ويُضعف التعاطف العالمي الرافض للإبادة الجماعية التي وقعت، ما يسمح بمواصلة السياسات العدوانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني دون مساءلة حقيقية.

إن اللوم يقع بالدرجة الأولى اليوم في هذه المسألة على وسائل الإعلام الفلسطينية نفسها، فهي مسؤولة عن إبقاء صوت غزة والضفة والقدس والداخل والشتات حاضراً رغم سيل الأخبار المتدفق، وألا يكون الخبر الفلسطيني عابراً، بل ركيزة أساسية في تغطيتها باعتبارها الحارس الأول لذاكرة الأمة وصوت من لا صوت لهم، وحصنهم الأخير ضد محاولات طمس معاناتهم وتغيبها.

هذه الوسائل ليست مجرد ناقل خبر، بل شاهد تاريخي وأصيل على ما يحدث، وعليها مسؤولية أخلاقية وأدبية ووطنية قبل أن تكون مهنية، في إبقاء القضية حاضرة بعيداً عن أي ارتباطات أو مصالح أخرى. فلا يجوز لمن يعيش تفاصيل القضية أو يُمثلها أن يسمح بتحويلها إلى خبر ثانوي استجابةً للمتغيرات الحاصلة.

لذلك نرى اليوم أن الأحداث التي انبثقت عن غزة وتصدّرت المشهد الإعلامي صار ضجيجها أعلى من أن يُسمع صوتها، بل وتراجعت هي إلى الخلفية، رغم أن غزة لم تهدأ ولم تُغلق صفحات مأساتها وإبادتها. وما زال أبناؤها يُشيَّعون جراء جرائم الاحتلال، ويعيشون في نزوح دائم وأزمات اقتصادية واجتماعية وإنسانية لا مثيل لها. لذلك ليس من الإنصاف أن تتحوّل غزة إلى "ملف قديم" وهامشي في شاشات التلفزة لمجرد أن العالم وجد قضايا أحدث.

أمام هذا الواقع وطبيعة النظام الإعلامي العالمي الذي يفشل في التعامل مع القضايا والأزمات الطويلة إلا بتجاهلها تدريجياً، يُصبح لزاماً على الإعلام العربي والفلسطيني تحديداً أن يَعي طبيعة هذا النظام، وألا يسمح بأن تتحول غزة لضحية ثانية للصمت والتغييب، وأن يعمل ضمن استراتيجية مستمرة من أجل إبقاء مأساتها حاضرة في الوعي الجمعي للأمة، لا بوصفها حدثاً طارئاً، بل قضية إنسانية ووطنية وقومية مفتوحة لا يجوز أن تغيب مهما تبدّلت العناوين.