وسط مخاوف متزايدة من تحولها إلى مواجهة عالمية، تُغرق الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران الشرق الأوسط بأكمله في أتون الصراع، وقد بدأت تداعياتها الاقتصادية الخطيرة تتصاعد بالفعل، مع احتمال أن تتحول إلى كارثة واسعة النطاق؛ فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس النفط المتداول عالميا، إضافة إلى 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، ما يعني أن أي إغلاق مطول له سيؤدي إلى أزمة طاقة غير مسبوقة في التاريخ الحديث.
كما من المرجح أن يتمدد الصراع إلى مستويات يصعب احتواؤها، في ظل إصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على فرض هيمنة على العالم العربي، وغرب آسيا، تجمع بين التوسع الإقليمي الإسرائيلي، وترسيخ أنظمة سياسية مدعومة أمريكيا في مختلف أنحاء المنطقة.
ويتمثل الهدف النهائي في إقامة ما يعرف بـ"إسرائيل الكبرى" التي تضم كامل فلسطين التاريخية، إلى جانب أنظمة عربية وإسلامية مرهونة القرار، بما في ذلك ما يتعلق بمصالح شعوبها والسيطرة على مواردها وتصريفها.
غير أن هذا التصور يفتقر إلى الواقعية؛ فلا توجد دولة في المنطقة ترغب في أن تمضي إسرائيل في سياساتها الحالية دون رادع أو قيد، في ظل ما يشهده الإقليم من قتل للمدنيين، ودمار واسع في غزة والضفة الغربية، وغزو لبنان، وضربات في العراق، واليمن، وقصف مكثف لطهران.
كما لن تقبل أي دولة أن تخضع ثرواتها الطبيعية لسيطرة أمريكية فعلية. ولن تتوقف هذه الحرب إلا إذا أجبر الغضب العالمي من العدوان الأمريكي- الإسرائيلي، هذين البلدين على التراجع، وإلا فإن المنطقة قد تواجه تصعيدا واسعا يقود إلى شرق أوسط مشتعل، وأزمة طاقة واقتصاد ترخي بظلالها الكثيفة على العالم، مع خطر تدحرج كرة اللهب إلى مواجهة قد ترقى إلى حرب عالمية ثالثة.
ومع ذلك؛ يظل هناك مسار بديل: إذ يمكن وقف الحرب على أسس عقلانية إذا تمت مساءلة إسرائيل والولايات المتحدة بشكل حاسم من قبل المجتمع الدولي.
فإنهاء هذا الصراع يتطلب سلسلة من الخطوات المترابطة لضمان الحد الأدنى من الأمن لجميع الأطراف، بل وللعالم بأسره. فإيران تحتاج إلى وقف دائم للعدوان الأمريكي-الإسرائيلي، بينما دول الخليج هدفها إنهاء الضربات الانتقامية الإيرانية. فيما الفلسطينيون غايتهم إقامة دولتهم المستقلة، في حين تسعى إسرائيل إلى أمن دائم ونزع سلاح حماس وحزب الله.
أما العالم، فيحتاج إلى إعادة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب مراقبة دولية للبرنامج النووي الإيراني؛ لضمان التزامها بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، كما تؤكد طهران. كما أن جميع الدول تريد- أو يفترض أن تريد- سيادة حقيقية لها ولمنطقتها.
ويمكن تحقيق الأمن الجماعي عبر خمس خطوات مترابطة:
أولا، أن توقف الولايات المتحدة وإسرائيل فورا عدوانهما العسكري في مختلف أنحاء المنطقة، وتنسحبان بقواتهما.
ثانيا، توقف إيران ضرباتها الانتقامية في دول مجلس التعاون الخليجي وتعود إلى الخضوع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن خطة عمل شاملة مشتركة معدلة، وهي الاتفاقية التي تخلى عنها الرئيس دونالد ترمب عام 2018.
ثالثا، يعاد فتح مضيق هرمز باتفاق متبادل بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
رابعا، ينفَذ حل الدولتين فورا عبر قبول فلسطين عضوا كاملا في الأمم المتحدة، مع مطالبة إسرائيل بإنهاء احتلالها الضفة الغربية والقدس الشرقية، وسحب قواتها من لبنان، وسوريا.
خامسا، يشكل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين أساسا لنزع شامل لسلاح جميع الجهات المسلحة غير الحكومية في المنطقة، تحت رقابة دولية. والنتيجة النهائية ستكون العودة إلى القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة.
لكن من الرابح في هذا السيناريو؟ شعوب المنطقة، في إسرائيل، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران، إلى جانب بقية شعوب العالم. أما الخاسرون فهم فقط الداعمون لمشروع "إسرائيل الكبرى"، وفي مقدمتهم بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، ومايك هاكابي، الذين أوصلوا العالم إلى حافة الدمار.
وفيما يلي تفاصيل الخطوات الخمس:
أولا: إنهاء العدوان المسلح الأمريكي-الإسرائيلي
توقف إسرائيل والولايات المتحدة عملياتهما العسكرية وتنسحبان بقواتهما من المنطقة، مقابل وقف إيران ضرباتها الانتقامية. ولن يقتصر ذلك على وقف لإطلاق النار، بل سيكون الخطوة الأولى ضمن اتفاق سلام شامل وترتيب جديد للأمن الجماعي.
ثانيا: العودة إلى الاتفاق النووي
يعالَج الملف النووي عبر رقابة صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدلا من حملات القصف التي قد تدفع اليورانيوم الإيراني المخصب إلى خارج نطاق الرقابة الدولية.
وفي هذا السياق؛ يعيد مجلس الأمن الدولي فورا تفعيل الإطار الأساسي لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، التي تلتزم إيران بموجبها بقيود واضحة على برنامجها النووي تحت رقابة الوكالة، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها.
ثالثا: إعادة فتح مضيق هرمز ضمن إطار إيراني-خليجي
يعاد فتح مضيق هرمز بسرعة، مع ضمان المرور الآمن بشكل مشترك من قبل إيران ودول مجلس التعاون الخليجي. كما تؤكد دول المجلس سيادتها على القواعد العسكرية الموجودة في أراضيها؛ لضمان عدم استخدامها كنقاط انطلاق لشن هجمات في المنطقة.
رابعا: حل الدولتين
يطبَق حل الدولتين عبر قبول فلسطين عضوا رقم 194 في الأمم المتحدة، وهو إجراء لا يتطلب سوى تخلي الولايات المتحدة عن حق النقض (الفيتو).
ويأتي قيام الدولة الفلسطينية انسجاما مع القانون الدولي، ومبادرة السلام العربية المطروحة منذ عام 2002.
وفي المقابل، تقيم دول المنطقة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بينما ينشر مجلس الأمن الدولي قوات حفظ سلام؛ لضمان أمن كل من فلسطين وإسرائيل.
خامسا: إنهاء الأعمال القتالية المسلحة
بالتوازي مع تنفيذ حل الدولتين، تتوقف جميع الأعمال القتالية المسلحة في المنطقة فورا، بما يشمل نزع سلاح حماس وحزب الله وسائر الجهات المسلحة غير الحكومية. ففي الحالة الفلسطينية، يعزز نزع سلاح حماس سلطة الدولة الفلسطينية.
أما في لبنان، فيؤدي نزع سلاح حزب الله إلى استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة، بحيث تصبح القوات المسلحة اللبنانية الجهة العسكرية الوحيدة في البلاد.
وسيتم التحقق من عملية نزع السلاح عبر مراقبين دوليين، مع ضمان تنفيذها من قبل مجلس الأمن الدولي.
وتكمن النقطة الجوهرية في أن الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران لم تنشأ من فراغ؛ فإستراتيجية "الانفصال النظيف"، التي صاغها نتنياهو وحلفاؤه من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة عام 1996، ودخلت حيز التنفيذ منذ ذلك الحين، تقوم على ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة عبر حروب تغيير الأنظمة، مع قيام الولايات المتحدة بدور الشريك المنفذ.
وكشف القائد الأعلى السابق لحلف الناتو ويسلي كلارك بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، أن الولايات المتحدة وضعت قبل ربع قرن خططا لإسقاط حكومات سبع دول؛ "بدءا بالعراق، ثم سوريا، ولبنان، وليبيا، والصومال، والسودان، وانتهاء بإيران".
وبذلك، فإن ما نشهده اليوم يمثل تتويجا لخطة طويلة الأمد تهدف إلى الهيمنة على العالم العربي وغرب آسيا، وإقامة "إسرائيل الكبرى"، ومنع قيام دولة فلسطينية بشكل دائم.
ولا يوجد تفاؤل كبير بإمكانية تنفيذ هذا التصور؛ فالحكومة الإسرائيلية تتصرف بوحشية، بينما يعيش ترمب أوهاما بشأن قوة الولايات المتحدة.
وربما يكون العالم بالفعل في المراحل الأولى من حرب عالمية ثالثة. ومع ذلك، وبالنظر إلى خطورة الرهانات، فإن طرح حلول واقعية يظل ضروريا حتى لو بدت فرص نجاحها ضئيلة.
لذا نعتقد أن العالم غير الغربي، أي الدول غير الخاضعة للنفوذ الأمريكي، يدرك إلحاح الحاجة إلى السلام والأمن.
لكن يبقى السؤال: من يمكنه قيادة خطة سلام ستواجهها الولايات المتحدة وإسرائيل بكل الوسائل، إلى أن يفرض ثقل المعارضة العالمية والكوارث الاقتصادية عليهما قبولها؟
الإجابة تكمن في دول بريكس؛ فالبرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، إلى جانب الأعضاء الجدد في التكتل مثل الإمارات، وإيران، ومصر، وإثيوبيا، وإندونيسيا، يمثلون نحو نصف سكان العالم وأكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقارنة بـ28% فقط لدول مجموعة السبع.
وتمتلك هذه الدول، بحسب الطرح، المصداقية والوزن الاقتصادي، إضافة إلى عدم تورطها تاريخيا في الإمبريالية في الشرق الأوسط، ما يؤهلها للمساهمة في إعادة العالم إلى مسار العقل.
ولذلك، يفترض أن تعقد دول بريكس قمة طارئة لطرح إطار موحد لشروط السلام والأمن، يتم تقديمه إلى مجلس الأمن الدولي، حيث يمكن للرأي العام العالمي أن يبعث برسالة واضحة: ضرورة وقف دفع العالم نحو الكارثة، والالتزام بميثاق الأمم المتحدة.