في صورة تختصر واقعًا اقتصاديًا ضاغطًا، تحوّلت عبارات التهاني بالعيد هذا العام إلى مزيج من الدعابة والرسائل المبطّنة، حيث باتت جملة "شوف الإشعار قبل ما تسلّم" تتردد على ألسنة كثيرين، في إشارة ساخرة إلى انتظار التحويلات المالية عبر التطبيقات البنكية بدلًا من "العيدية" النقدية.
وبين الضحكة التي تخفف وطأة الواقع، والوجع الذي يعكس أزمة سيولة خانقة، تروي هذه العبارة حكاية تغيّر في تفاصيل العيد، طال عادات اجتماعية راسخة، وفي مقدمتها تقديم "العيدية" يدًا بيد.
واعتاد الأطفال والنساء العيد على تلقي "العيدية" كرمز للفرح، إلا أن هذا العام اتخذت العيدية طابعًا رقميًا.
فبفعل شح السيولة النقدية، لجأ كثيرون إلى التحويلات عبر التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية، مثل "بال بي"، ما فرض واقعًا جديدًا انعكس حتى في المزاح المتداول داخل البيوت.
في الأسواق، يشكو مواطنون من صعوبة الحصول على النقد، رغم توفر الأموال داخل حساباتهم البنكية، ما دفعهم إلى الاعتماد على الدفع الإلكتروني كخيار شبه وحيد. غير أن هذا التحول لم يكن سلسًا للجميع، خاصة كبار السن الذين ما زالوا يفضلون التعامل النقدي.
تقول أم محمد، ربة منزل، إن "العيدية باتت رسالة مش نقدي"، مضيفة بابتسامة: "بنستنى الإشعار يوصل على الجوال قبل ما نسلم، وبنمزح مع أزواجنا: لا تقرّب إلا لما نشوف التحويل". وتؤكد أن المزاح يخفي واقعًا صعبًا فرضه غياب السيولة.
من جهتها، تشير أم لؤي، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى أن "الأطفال لا يفهمون لماذا لم تعد العيدية بأيديهم كما في السابق"، لافتة إلى أن "الفرحة لم تعد كما كانت، رغم محاولات الشرح لهم بأن العيدية أصبحت في الهاتف".
أما سمر، فتوضح أن المزاح أصبح جزءًا من التكيف مع الظروف، قائلة: "أقول لزوجي دائمًا: بدي إشعار مش كلام"، في تعبير ساخر عن ضغوط اقتصادية متزايدة، دفعت الأسر للاعتماد على الحلول الرقمية.
بدوره، يرى أبو أحمد أن اللجوء إلى التطبيقات البنكية أصبح أمرًا واقعًا، لكنه يخلق فجوة لدى من لا يمتلكون المعرفة أو القدرة على استخدامها، مضيفًا أن "العيد فقد جزءًا من طقوسه، لكن الناس تحاول الحفاظ على فرحته".
وفي السياق ذاته، تقول أم يزن إن "العيد صار يبدأ من الجوال مش من الباب"، مشيرة إلى أن اعتمادهم الكامل بات على التحويلات.
بينما تروي هدى خليل، أم لخمسة أطفال، أنها حاولت إدخال البهجة على أطفالها، رغم اختلاف التجربة هذا العام، بقولها: "قلت لهم افتحوا التطبيق وشوفوا العيدية هناك".
وتعبّر أم راشد، وهي سيدة مسنّة، عن صعوبة التكيّف مع هذا التحول، قائلة: "بدي مصاري بإيدي، مش بالجوال"، في إشارة إلى الفجوة الرقمية التي فرضتها الظروف.
ورغم تباين التجارب، تتفق هذه الشهادات على أن ملامح العيد تغيّرت هذا العام، غير أن روح الدعابة بقيت حاضرة كوسيلة لتخفيف الضغط النفسي والاقتصادي. فقد أصبحت "العيدية" تُرسل بإشعار، والمعايدة تُستكمل بتأكيد وصول التحويل، في مشهد يعكس تحولات اجتماعية فرضتها الأزمة.
هذا التحول الرقمي، وإن جاء اضطرارًا، أعاد تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، لكنه لم يُلغِ محاولات الناس للحفاظ على بهجة العيد. وبين إشعار يصل وآخر يُنتظر، يظل العيد مساحة للأمل، حتى وإن تغيّرت وسائله.
وفي ظل هذه الظروف، يثبت المواطنون قدرتهم على التكيّف، حيث تتحول الدعابة إلى وسيلة لمواجهة الضغوط، وتبقى عبارة "شوف الإشعار قبل ما تسلّم" أكثر من مجرد مزحة، بل مرآة لواقع اقتصادي معقّد، ومحاولة إنسانية لتخفيف حدّته بروح خفيفة.