في صباحٍ كان يفترض أن يبدأ برائحة الخبز ودفء العائلة، انقلبت حياة الطفلة إيلا النمنم إلى حكاية وجعٍ لا يشبه الطفولة بشيء. لحظةٌ واحدة فصلت بين ضحكةٍ بريئة ومشهدٍ لا يُنسى، حين اخترق القصف سكون البيت، وانتزع منها أمّها، وترك في عينيها ذاكرةً مثقلة بالخوف بدل الأحلام.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الطفلة إيلا النمنم تعدّ أيامها كأي طفلة، بل صارت تحمل في قلبها حكاية مدينةٍ كاملة، حيث يكبر الألم أسرع من الأعمار، وتُسرق البراءة تحت وقع الانفجارات.
تقول الطفلة إيلا (12 عامًا) بصوتٍ يملأه الحزن والألم: "كنا قاعدين نعمل الفطور، وفجأة قصفوا الدار اللي قبالنا حكولنا انزلوا لتحت، نزلنا، وبعدها قصفوا البلكونة، ماما استشهدت على طول".
وفي لحظاتٍ معدودة، تحوّل المنزل إلى ساحة ألم. لم يكن هناك وقت للبكاء، فالجميع كان ينزف، إيلا أُصيبت في عينيها بشظايا، وشقيقها إبراهيم أُصيب في عينيه وبطنه وخضع لعمليات جراحية عاجلة،
أما لانا وإلياس، فكانت إصاباتهما في الأقدام، بينما توزعت الشظايا على أجساد باقي الأشقاء، حيث أشارت إيلا إلى أن جميع إخوتها كانوا أمام نافذة البيت قبل أن يُقصف المنزل المقابل لبيتهم.
على الفور نُقل الأطفال إلى المستشفى، وخضعوا للعلاج في ظروفٍ صعبة، بين نقص الإمكانيات وارتفاع في أعداد الجرحى.
لم يمضِ دقائق على الفاجعة، حتى ودع الإخوة والدتهم وعادوا إلى حياة صعبة في ظل إصابتهم والدهم بجروح خطيرة في البطن، الامر الذي ضاعف معاناة العائلة.
وبعد الخروج من المستشفى، لجأ الأطفال إلى خالتهم، قبل أن تستقر إيلا وإخوتها عند جدتهم، التي تحاول أن تعوّضهم بعض الحنان الذي فقدوه. تقول إيلا:"ستي بتعملنا أكل، وبتعملنا كل شي… وبنلعب مع بعض".
لكن اللعب لم يعد كما كان. فإيلا، التي تحمل شظايا في عينيها، تعاني من صعوبة في الرؤية، وتتألم عند الخروج، خاصة تحت أشعة الشمس. تقول بحزنٍ واضح: "أنا نفسي أكون زي أطفال العالم ألعب وأدرس وأصير كويسة وأشوف".
شهادة الجدة (أم تامر النمنم)
تروي الجدة تفاصيل ما جرى بعينٍ دامعة وقلبٍ يرزح تحت ثقل الفاجعة: "انقصف البيت، واستشهدت أمهم فورًا… والأب أُصيب. الأطفال الأربعة تعرّضوا لإصابات، وكان أحدهم بحالة حرجة جدًا ونُقل إلى العناية المركزة."
وتتابع بصوتٍ يختلط فيه الألم بالعجز: "إيلا كان جسدها مليئًا بالشظايا، وعيناها في وضعٍ صعب… نقلناها إلى مستشفى العيون، لكن الأطباء قالوا إن حالتها لا يمكن علاجها هنا، وتحتاج للسفر إلى الخارج."
ورغم حصول العائلة على تحويلة طبية، لا يزال السفر حلمًا مؤجلًا، ينتظر فتح المعابر وإتاحة فرصة العلاج.
وتضيف الجدة بأسى عميق: "إيلا صارت تتأثر من كلام الأطفال… ترجع زعلانة، وما عاد بدها تطلع من البيت. وإذا خرجت تحت الشمس، تتعب بسرعة، وعيونها تدمع وما بتقدر تشوف."
أمل رغم الألم
ورغم قسوة المشهد، تتمسك الجدة بخيط الأمل، قائلة: "نفسي يرجعوا يعيشوا حياتهم الطبيعية… زي باقي الأطفال، بدون ما يجرحهم حدا بكلمة. بدنا إلهم حياة كريمة، وتعليم، وفرصة يعيشوا بسلام."
قصة إيلا ليست مجرد حكاية طفلة، بل صرخة إنسانية تختبئ خلف عينين أثقلتهما الحرب، ولم تعدا تريان كما في السابق، لكنهما ما زالتا تحملان حلمًا صغيرًا بالحياة.
بين انتظار العلاج، وحنينٍ لا ينطفئ لأمٍ رحلت، يبقى الأمل هو الشيء الوحيد الذي عجزت الحرب عن انتزاعه من قلبها.