قائمة الموقع

ألاء شحيبر.. حكاية طفلة نهضت من بين الركام تحمل وجع لا تحتمله الجبال

2026-03-30T18:08:00+03:00
الناجية ألاء شحيبر
شمس نيوز - نضال أبو شربي

تجلس ألاء على سرير المشفى، تقلب عينيها يمنة ويسرة، وجسدها موصولٌ بأجهزة تنبض بالحياة، يقطع هدوء المكان صوت مثقل بهموم وألام لا تتحملها الجبال، "لم يبقَ أحد من العائلة يا بابا، كلهم استشهدوا".

فتحت آلاء شحيبر (12 عامًا) عينيها معربة عن صدمتها مما تسمع ولم تنطق بكلمة سوى بصرخة تكسر قلبها: "آه"؛ لتدخل في نوبة من البكاء وتغوص في تفاصيل حكاية مؤلمة وذكريات لن تحذف من الذاكرة.

لم يدُم صوت والدها "أسعد" يتردد على مسامعها طويلًا؛ فبعد يومين تدهورت حالته الصحية، ليلتحق بأسرته، الزوجة والأبناء عائشة ووليد، الذين ارتقوا في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم في حي الصبرة بمدينة غزة، (2/11/2023) وهنا كانت الصدمة أقوى للطفلة ألاء التي باتت وحيدة في معركة الحياة.

تقول الطفلة ألاء شحيبر لمراسل "شمس نيوز": "إن الوجع الأكبر في المجزرة ليس استشهاد عائلتي فحسب؛ بل لأني لم أرَ وجوههم أثناء دفنهم، ولم اشتم رائحتهم ولم تسقط دمعاتي على أجسادهم ولم أتمكن من أن أهمس في آذانهم وأودعهم: "مع السلامة يا ماما، مع السلامة يا أختي وغاليتي عائشة، مع السلامة يا حبيب قلبي يا أخي وليد، مع السلامة يا سندي ويا تاج راسي يا والدي".

ليلة مرعبة

وبدأت حكاية ألاء بعد شهر واحد من اندلاع حرب الإبادة ضد المدنيين في قطاع غزة، حيث روت الطفلة ألاء تفاصيل تلك الليلة التي بدأت بالشكل الذي اعتاد عليه سكان القطاع، قصف مستمر، ورائحة بارود تقتل الأنفاس، وأصوات طائرات الاحتلال التي لا تفارق المدينة.

وقالت ألاء لمراسلنا: "بدأت الليلة بعد غروب الشمس حيث تسلل الرعب لقلبونا مع اشتداد القصف، وصوت سيارات الإسعاف الذي لم يتوقف طوال ساعات النهار والليل".

وتعود ألاء بشريط ذكرياتها للخلف قبل سويعات قليلة من استهداف عائلتها: "مع كل استهداف إسرائيلي كانت أمي تحتضننا وتهدئ من خوفنا، وعندما حل موعد صلاة العشاء، تمسكنا بهذه اللحظة من الطمأنينة والسكينة والهدوء وسط عاصفة الموت التي تحيط بنا".

بعدما أدت عائلة ألاء شحيبر صلاة العشاء، قامت الدنيا ولم تقعد، القصف كان أشد وأقوى، وبيتهم كان يهتز بشدة وكأن زلزالا أصاب المكان، ولهب الصواريخ يضيء سماء القطاع، ولم يكن من والديها إلا أن احتضنا أبنائهم وبدأ يرددا الاستغفار والدعاء، واصفة تلك اللحظات بالرعب والهلع.

لحظة الفقد: حين تغير كل شيء

دقائق قليلة ثم حل صمت مريب في المكان قبل أن تبدأ الحجارة تتساقط بشكل مرعب، واللهب يشتعل في كل أرجاء المنزل، في تلك اللحظة المرعبة غابت ألاء عن وعيها ولم تستفق إلا على سرير المستشفى.

بعد أيام قليلة من ارتكاب الاحتلال للمجزرة المرعبة استفاقت ألاء ومر أمامها شريط الذكريات لتسيل دموعها بشكل جنوني حينها تذكرت أمرًا لا يمكن نسيانه: "تذكرت الدقائق الأولى من القصف، كنت أنادي على أمي وعائشة ووليد دون أن يستجيب أحد".

ذكريات تحت الركام

لم يكن البيت في عالم ألاء مجرد جدران، بل كان عالمًا صغيرًا مليئًا بالحب، تشير ألاء، إلى المكان مرددة: "هنا كانت غرفتي أنا وأختي عائشة، كان لونها زهريًا، وهذا الطقم الذي اشتراه لنا بابا… وهناك خزانة بيضاء".

تواصل ألاء السير فوق الركام وتقول بحسرة: "هذا المكان المدمر كان من أجمل الأماكن لأخي وليد حيث غرفته الجميلة التي كنا جميعا نلعب فيها"، وفي هذا الدمار الواسع كانت غرفة أمي وأبي، وهناك غرفة الضيوف التي كانت تحتضن العائلة".

أصوات لا تُنسى

لم يتوقف شريط ذكريات ألاء حيث قالت: "في المستشفى كنت اسمع أصوات مرعبة، أطفال يصرخون، وأمهات تنادي على أبنائهم الشهداء، ورائحة الدماء تفوح في كل زاوية من مستشفى الشفاء.

وأقسى ما تتذكره ألاء هو مشهد طفل صغير يجلس أمام جثة والدته يبكي بشدة، لم يكن معه أحد، كأن حياته تشبه حياتها بكل تفاصيلها: "حاول الطفل إيقاظ أمه، لكنها لم ترد".

وتحاول ألاء الاستمرار في قص حكايتها، فالكلمات تخرج بصعوبة: "يا ريتني ما سمعت صوت الأطفال والنساء وصراخهم على جثامين أحبائهم".

رغم الألم والمأساة القاسية التي عاشتها الطفلة ألاء شحيبر؛ إلا أنها ما زالت صابرة ومتماسكة، مشيرة إلى أنها لجأت لحفظ القرآن الكريم، فقد حفظت ألاء 26 جزءً من القرآن.

مرت الأيام والشهور والسنين ثقيلة على طفلة لم تتجاوز (12 عامًا)، تبدلت حياتها رأسا على عقب؛ فمن منزل واسع إلى خيمة صغيرة لا توفر الحماية لا في شتاء ولا في صيف.

فيما تتجه الطفلة ألاء اليوم إلى مدرستها في الصف الخامس وكلها أملُ في تحقيق حلم والديها بأن تصبح طبيبة.

ولم يكن حلم ألاء صدفة بل كان وعدًا قطعته الطفلة على نفسها لتعالج المرضى والمصابين جراء العدوان الإسرائيلي، لا سيما وأنها تعرضت لانتكاسات خلال فترة علاجها لعدم توفر العلاجات المناسبة بسبب الحصار الإسرائيلي ومنع إدخال الدواء والمستلزمات العلاجية.

اخبار ذات صلة