في يوم الأرض… لا يبدو السؤال: هل اقتربنا من العودة؟ سؤالًا عابرًا، بل هو أشبه بنبضٍ قديم يتجدد في صدورنا كل عام، كأن الأرض نفسها تسألنا: هل ما زلتم على العهد؟
نحن لا نقيس اقترابنا بالمسافات، ولا بالخرائط، ولا حتى بالسياسة. نقيسه بشيءٍ أدقّ… بقدرتنا على تذكّر الطريق دون أن نراه، وعلى وصف البيوت التي لم نسكنها يومًا، وعلى البكاء حين يُذكر اسم قرية لم نزرها قط. ربما نحن أقرب مما نظن، لأننا لم نبتعد أصلًا. فالذي يسكن الذاكرة لا يُنفى.
تخيّل فقط… أن يُفتح الباب فجأة.
أن يُقال لك: عد.
لا حقائب تُجهّز، ولا خطط تُرسم. سنركض، كما لو أننا نعود إلى أمٍ انتظرتنا طويلًا. سنصل مرتبكين، مبهورين، خائفين من أن يكون الحلم أقصر من اللازم. سنمشي ببطء أول الأمر، كأننا نخشى أن نوقظ المكان من دهشة اللقاء.
ماذا سنفعل؟
سننحني أولًا. نعم… سننحني لنلمس التراب. لا كأرضٍ عادية، بل كشيءٍ حيّ يعرفنا ونعرِفه. سنشمّه، كأننا نتحقق من روايات الجدّات: “كانت رائحته مثل المطر…”، “كان الزيتون يلمع عند الغروب…”، “وكانت الحجارة دافئة حتى في الشتاء…”.
ثم سنركض. إلى الأزقة التي حفظنا أسماءها دون أن نراها. إلى البيوت التي سكنّاها في الحكايات. سنبحث عن شجرة التين التي قالوا إنها كانت تكبر مع الأطفال، وعن البئر الذي كان يعرف وجوه العطشى.
سنضحك كثيرًا… ونبكي أكثر.
سنكتشف أن كل واحدٍ فينا يحمل نسخةً مختلفة من المكان، لكننا حين نلتقي فيه، تتوحّد الحكايات. كأن الأرض تعيد ترتيب ذاكرتنا، وتقول: “هكذا كنتم… وهكذا عدتم”.
لكن… هل يكفينا يوم واحد؟
مستحيل.
يومٌ واحد لا يكفي لاحتضان وطنٍ انتظر عقودًا. لا يكفي لزيارة كل القرى التي نحفظ أسماءها كما نحفظ أسماءنا. لا يكفي لنعتذر للأبواب التي طال غيابنا عنها، ولا للحقول التي بقيت تنتظر خطانا.
سنحتاج عمرًا كاملًا… وربما أعمارًا.
لأن العودة ليست نزهة، وليست صورة نلتقطها ثم نرحل. العودة أن نعيد تعلّم الحياة من البداية. أن نصالح الوقت الذي سُرق، وأن نعيد زرع الحكايات في أرضها الحقيقية.
في يوم الأرض… نحن لا نحتفل فقط، بل نختبر أنفسنا:
هل ما زلنا نؤمن؟
هل ما زلنا نحفظ؟
هل ما زلنا نستحق هذه العودة؟
والجواب، رغم كل شيء، يأتي هادئًا… لكنه ثابت:
نعم.
لأن الأرض التي عاشت فينا كل هذا الوقت… لن تخذلنا حين نعود إليها.
