قائمة الموقع

العالم العربي في مرآة الحرب الصهيوأميركية على إيران

2026-04-02T09:39:00+03:00
شعارات مناهضة لواشنطن على جدار في طهران.webp

كتب: د. حسن نافعة

يصعب على أي متابع لما يجري في المنطقة والعالم أن يرى في الحرب المشتعلة في  المنطقة حالياً حرباً أميركية- إسرائيلية مشتركة، أو حتى حرباً على إيران وحدها، كما يوحي ظاهر الأمر، ففي تقديري أنها أقرب ما تكون إلى حرب صهيو أميركية على الشعوب العربية والإسلامية كافة ولحساب "إسرائيل"، وأن هدفها الحقيقي ليس استبدال النظام الإيراني الحالي بنظام أكثر "اعتدالاً"، كما تدّعي الولايات المتحدة، وإنما فتح الطريق أمام المشروع الصهيوني لتصفية القضية الفلسطينية وإقامة دولة "إسرائيل الكبرى" التي تمتد من النيل إلى الفرات.

ويرى عالم السياسة الأميركي جون ميرشايمر، وهو أحد أهم خبراء العلاقات الدولية في العالم المعاصر، أن إيران لم تشكل أي تهديد جدي للولايات المتحدة، وأن الحرب التي تشن عليها حالياً هي حرب اختيار لاضرورة، استدرجت إليها الولايات المتحدة، ليس بسبب ما تشكله إيران من تهديد وجودي لـ"إسرائيل"، كما تدّعي الأخيرة، ولكن لأن إيران تحولت إلى عقبة كأداء تحول دون قيام "دولة إسرائيل الكبرى" التي يراد لها أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة. ولأن العالم العربي لم يستوعب هذه الحقيقة بعد، فمن الطبيعي أن يفشل في التحسب لما قد تفضي إليه الحرب الحالية من عواقب، والتي أصبح متورطاً فيها رغم أنفه، ورغم أنه أول الخاسرين فيها وأكبر المتضررين منها.

ليس صحيحاً أن منع إيران من تصنيع أو امتلاك سلاح نووي كان السبب الرئيسي في شن الحرب كما يدّعي الرئيس ترامب، فمن الثابت أن إيران أبدت استعدادها التام لتقديم كل ما يلزم للتدليل على سلمية برنامجها النووي، وقبلت بكل آليات الرقابة والتفتيش المطلوبة للتأكد من سلمية أنشطتها النووية ومن اتساق هذه الأنشطة مع معايير وقواعد القانون الدولي، وهو ما تبيّن بوضوح إبّان جولات المفاوضات التي سبقت شن الحرب، وأكدته لاحقاً تصريحات وزير خارجية عمان، الوسيط الرئيسي فيها، ما يسمح بالقول من دون مبالغة أن السبب الحقيقي وراء اندلاع هذه الحرب العدوانية هو منع إيران من الانطلاق نحو آفاق تنموية ترتكز على محوري استقلال الإرادة الوطنية والاعتماد على الذات، وهي سياسة إسرائيلية دائمة استخدمت من قبل لإجهاض العديد من النماذج التنموية المماثلة في العالم العربي.

لم تفاجأ النظم العربية الحاكمة باندلاع حرب تستهدف فيها القواعد والمصالح الأميركية الموجودة على أراضيها، فمن الواضح تماماً أن رياح هذه الحرب بدأت تهب على المنطقة منذ أن انطلق "طوفان الأقصى" من غزة نهاية عام 2023، ثم أصبحت حتمية عقب حرب الاثني عشر يوماً منتصف العام الماضي.

ولأن إيران أخذت في الأخيرة على حين غرة، فقد أفصحت علناً عن اعتزامها ضرب جميع القواعد والمصالح الأميركية في المنطقة إن تعرضت للعدوان مرة أخرى، وهو ما حدث فعلاً وكان يستدعي من الدول العربية المضيفة لها إغلاقها ولو مؤقتاً لضمان عدم استخدامها في الحرب على إيران، وهو ما لم يحدث، إما لأنها لا تستطيع القيام بمثل هذه الخطوة الجريئة أو لأنها توافق ضمناً على العدوان، ما يجعلها تبدو متورطة في ارتكابه، طوعاً أو كرهاً، صراحة أو ضمناً.

وأياً كان الأمر، فقد ألقت الحرب العدوانية الظالمة على إيران أضواء ساطعة على حجم الانكشاف الأمني للدول العربية، خصوصاً الخليجية، حيث تفتح وعي المواطن العربي، ربما لأول مرة في حياته، على حقيقة مرة مفادها أن معظم الدول العربية لا تملك قرارها، لأنها تستضيف على أراضيها بصفة دائمة أكثر من خمسين ألف جندي أميركي، يقيمون في قطر، حيث قاعدة العديد أكبر قاعدة عسكرية خارج الأراضي الأميركية، وفي البحرين، حيث الأسطول الخامس والقيادة المركزية الأميركية، وفي الكويت،  قاعدتا عريفجان وعلى السالم بالإضافة إلى قواعد جوية ومراكز لوجستية رئيسية أخرى، وفي الإمارات، حيث قاعدة الظفرة الجوية وبعض المراكز الجوية والاستخبارية المتقدمة الأخرى، وفي السعودية، حيث قاعدة الأمير سلطان وعدد من منظومات الدفاع الجوي متعدد الأنواع، وفي العراق، قاعدتا عين الأسد وأربيل، وفي الأردن، حيث قاعدة الأزرق وبعض المراكز الجوية الأخرى. وليس هذا كل ما في الأمر، إذ توجد بشكل غير رسمي أو مؤقت قواعد عسكرية أميركية في دول عربية أخرى، منها سوريا على سبيل المثال لا الحصر.

فجميع هذه القواعد العسكرية ليست خاضعة بالكامل لسلطة الدول المضيفة، خصوصاً أن مهمة القيادة والتشغيل داخلها تخضع بالكامل لسيطرة أميركية منفردة. صحيح أن الدول العربية المضيفة تتمتع بالسيادة على أراضيها الواقعة خارج هذه القواعد، لكنها لا تستطيع أن تسيطر على كل ما يجري داخل هذه القواعد أو معرفة ما يدور أو يحاك فيها. وصحيح أيضاً أن الولايات المتحدة غالباً ما تقوم بالتنسيق المسبق مع الدول المضيفة حين يتعلق الأمر بعمليات عسكرية موجهة ضد طرف ثالث، غير أن الاعتماد المفرط على الحماية الأميركية غالباً ما يضع الدول المضيفة في موقف من لا يملك الإرادة أو القدرة على ممارسة  صلاحياته كافة.

لذا، فليس من المستبعد إطلاقاً أن تكون القواعد الأميركية الموجودة حالياً في الدول العربية قد استخدمت فعلاً وما تزال تستخدم ضد إيران في الحرب التي لم تضع أوزارها بعد، ما يفسر حجم المأزق الذي تواجهه دول الخليج العربية في المرحلة الراهنة. 

والواقع أن الوجود العسكري الأميركي المكثف على أراضي عدد كبير من الدول العربية لا يعبّر عن الانكشاف الأمني لهذه الدول فحسب، وإنما يعكس في الوقت نفسه ما تمارسه الأنظمة الحاكمة لهذه الدول من نفاق تجاه الموقف من القضية الفلسطينية. فالولايات المتحدة كانت وما تزال أكثر دول العالم انحيازاً لـ"إسرائيل"، ولولاها لما استطاعت الأخيرة أن تحتفظ حتى الآن بالأراضي العربية التي تحتلها منذ عام 1967، أو التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني إلى درجة عدم الاكتفاء بالرفض العلني لقيام دولة فلسطينية مستقلة فحسب، وإنما التصريح علناً برغبتها في ضم الضفة الغربية والعمل على التهجير القسري المتواصل للشعب الفلسطيني.

ومع ذلك، تبدو علاقة الولايات المتحدة بالدول العربية عموماً، وبدول الخليج العربية على وجه الخصوص، متينة إلى الدرجة التي تجعل الأخيرة فاقدة الإرادة تماماً في مواجهتها وعاجزة عن اتخاذ أي إجراءات عقابية ضدها مهما بلغت درجة انحيازها لـ"إسرائيل" وتنكرها للحقوق الفلسطينية.

دليلنا على ذلك أن الدول العربية لم تتخذ أي إجراء عقابي، أو حتى احتجاجي، ضد "إسرائيل" أو ضد الولايات المتحدة رغم مسؤوليتهما المشتركة عن جرائم التجويع والإبادة الجماعية التي ارتكبت ضد الشعب الفلسطيني. الأغرب من ذلك أنه كلما ازداد الموقف الأميركي صلفاً واحتقاراً لكل ما هو عربي وإسلامي، وهو ما بدا واضحاً تماماً في أحاديث ترامب وتعليقاته الفجة منذ وصوله إلى البيت الأبيض عام 2017، كلما ازداد الموقف العربي التصاقاً بالولايات المتحدة وخوفاً من "إسرائيل"، ما يفسر تعاطف الشعوب العربية مع الموقف الإيراني المتحدي لكل منهما.

في سياق ما تقدم، تبدو صورة العالم العربي في مرآة الحرب العدوانية التي تشنها "إسرائيل" والولايات المتحدة على إيران، مشوهة إلى حد كبير. فالشعوب العربية تدرك بوعيها الفطري أن إيران تواجه تهديداً وجودياً من جانب كل من "إسرائيل" والولايات المتحدة وتخوض في الوقت نفسه حرباً غير متكافئة في مواجهتهما معاً، ما يفسر تفهمها التام للدوافع التي تدعو إيران إلى توجيه أقسى وأقصى ما تستطيع من ضربات للقواعد العسكرية الأميركية المقامة فوق الأراضي العربية وللمصالح الأميركية الموجودة فيها.

غير أن الشعوب العربية تدرك في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة و "إسرائيل" يسعيان بكل الوسائل المتاحة لجر دول الخليج العربية للمشاركة معهما في حرب عدوانية ظالمة على إيران، وهو إن حدث ستكون هذه الدول قد اختارت بمحض إرادتها الوقوف في خندق واحد مع "إسرائيل" والولايات المتحدة ضد دولة جارة مسلمة، وهذا هو أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تشهدها المنطقة خلال المرحلة المقبلة، من المنظورين العربي والإسلامي لأنه سيؤسس لصراع عربي- إيراني قد يستمر لعقود طويلة قادمة، لكنه سيكون السيناريو الأفضل، من المنظورين الأميركي والإسرائيلي، لأنه سيؤسس لتحالف خليجي- إسرائيلي- أميركي ظلت "إسرائيل" والولايات المتحدة تسعيان لتحقيقه على مدى عقود طويلة.

ستتوقف، إن عاجلاً أو آجلاً، تلك الحرب العدوانية الظالمة التي تشنها "إسرائيل" والولايات المتحدة، ليس على إيران وحدها في حقيقة الأمر، وإنما على كل الشعوب العربية والإسلامية المطلوب إخضاعها كلياً للهيمنة الصهيوأميركية على المنطقة، وبالتالي ستبقى إيران دولة جارة ومتجذرة في المنطقة إلى أبد الآبدين، بصرف النظر عن شكل النظام السياسي الذي سيختاره شعبها.

أما "إسرائيل"، ذلك الكيان الغريب المغروس قسراً في جسد المنطقة، فسيزول حتماً مع انحسار النفوذ الأميركي في العالم وبزوغ فجر نظام عالمي جديد متعدد القطبية، بدأ يطل برأسه بالفعل، ونأمل أن تصر الشعوب العربية والإسلامية على المساهمة في صنعه، وهو ما لن يتحقق إلا إذا استطاعت أن تمتلك إرادتها الحرة، وأن تسخر هذه الإرادة في إقامة أنظمة حكم قادرة على إدارة مواردها وقدراتها البشرية والمادية الهائلة بكفاءة تليق بتاريخها الحضاري المجيد.

اخبار ذات صلة