قائمة الموقع

العدوان على إيران: قراءة في مكاسب "اللحظة الحرجة"

2026-04-02T18:51:00+03:00
دمار في اسرائل بسبب صواريخ ايران

كتب: السيد الشبل كاتب مصري

بينما ينشغل كثيرون برصد حجم الدمار الذي طال البنية التحتية العسكرية الإيرانية، وتعداد الضربات التي استهدفت مراكز القيادة والسيطرة، ثمة مشهد آخر يتشكل بعيداً عن ألسنة اللهب.

فالدولة الإيرانية، التي واجهت في الآونة الأخيرة ضغوطاً غير مسبوقة شملت اغتيالات طالت الهرم القيادي وتصعيداً عسكرياً مباشراً مع القوى العظمى وحلفائها، لم تكتفِ بمجرد "الصمود" الدفاعي، بل عمدت إلى اجتراح مسارات بديلة حولت فيها الأزمة الوجودية إلى أوراق ضغط جيوسياسية واقتصادية لم تكن متاحة لها في "زمن السلام".

​المعادلة النووية: تآكل "الخطوط الحمراء"

لسنوات، استندت إيران إلى فتوى القيادة بتحريم امتلاك أسلحة الدمار الشامل، لكن في ظل الواقع الراهن، بدأت أصوات فقهية وسياسية مؤثرة داخل النظام تنادي بتغيير الموقف من امتلاك سلاح نووي.

لقد تبدّل الرأي العام بشكل واسع في هذا الشأن، وهو أمر لا ينبغي أن يكون مستغرباً، إذ تعرضت إيران للقصف مرتين في خضم المفاوضات التي أجريت في نهاية شهر فبراير الماضي، وقد تم القصف بواسطة دولتين نوويتين من الطراز الأول.

لقد أحدثت الحرب شرخاً في المواقف السياسية التقليدية؛ فحتى الفئات التي كانت تعارض امتلاك سلاح نووي، بدأت ترى فيه الوسيلة الأكثر فعالية لحماية التراب الإيراني من التدمير الكلي. 

بشكل عام هناك تنامي للحسّ القومي الذي يشير إلى أن دولاً مثل كوريا الشمالية لم تتعرض لغزو مباشر لأنها تمتلك الردع، بينما تعرضت إيران للغدر من قبل الأميركي والإسرائيلي، لأنها بقيت في "المنطقة الرمادية"، رغم امتلاكها القدرة على صناعة سلاح نووي.

وحتى قبل اندلاع الحرب الأخيرة، كانت قيادات إيرانية قد حذّرت من أن طهران مستعدة لتغيير موقفها النووي في حال تعرضها للاعتداء، ويمكن أن تلمس ذلك في تصريحات كمال خرازي مستشار القائد الأعلى للثورة عام ٢٠٢٤، التي قال فيها "إن طهران ستضطر إلى تغيير عقيدتها النووية إذا واجهت تهديداً وجودياً، وأن لديها القدرات الفنية اللازمة لإنتاج أسلحة نووية".

وبحسب التقارير المتداولة، فإن إيران تمتلك أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، كما أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى امتلاكها مخزوناً كبيراً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% (وهو قريب تقنياً من مستوى السلاح 90%)، من جهة أخرى تملك القوات الإيرانية الصواريخ الجاهزة لتنفيذ المهمة، وكل ذلك يعني أنه رغم التعقيدات التقنية، فطهران لديها كل ما يلزم لإنتاج عدة أسلحة نووية إذا تم تعديل فتوى السيد الشهيد علي خامنئي.

​ثورة المسيرات: تحطيم "أرستقراطية" السلاح الجوي

​على الصعيد العسكري الميداني، استطاعت إيران تحقيق مكسب تكنولوجي مذهل بكسر الهيمنة الجوية التقليدية. فبينما يعتمد خصومها على طائرات شبحية ومنظومات دفاعية تكلف المليارات، أثبتت إيران عبر "سلاح المسيرات" أن التكنولوجيا الرخيصة والمُكثفة يمكنها تحييد التكنولوجيا الغالية.

​لقد تحولت المسيرات الإيرانية إلى أداة لفرض السيادة الجوية فوق الممرات المائية والمنشآت الحيوية. هذا النجاح لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان تجارياً واستراتيجياً بامتياز؛ إذ باتت هذه التقنيات مطلباً لقوى دولية أخرى، مما يجعل إيران مركزاً تقنياً دولياً، ويعزز من نفوذها العسكري بعيداً عن القيود التقليدية التي يفرضها التفوق النوعي للطيران الغربي.

وقد كشف تقرير المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي JINSA في الأيام الأولى للحرب، أن إيران طورت "حزم ضربات" هجينة تجمع بين الصواريخ الباليستية قصيرة المدى والمسيرات الانتحارية، مما أدى لتعقيد مهام الاعتراض حتى لأكثر المنظومات تطوراً (مثل Patriot وArrow).

​كما تشير تحليلات مراكز بحثية غربية وتقارير إعلامية حديثة إلى أن الضربات الأميركية الواسعة صحيح أنها أثّرت على معدل إطلاق الصواريخ الإيرانية، لكنها ظلت عاجزة عن إنهاء القدرة العملياتية بالكامل، نظراً لاعتماد طهران على منصات متنقلة وبنية إطلاق موزعة.

​مضيق هرمز: مكسب لم يكن في الحسبان 

​لعل المكسب الأكثر إثارة وتأثيراً في الموازين الدولية هو التحول في عقيدة التعامل مع مضيق هرمز. فبدلاً من إغلاقه كلياً، انتقلت طهران إلى استراتيجية تمنع بها أعدائها من المرور، وتحقق مكسباً لتعويض الأضرار الناجمة عن العدوان الأميركي الإسرائيلي.

وتتضمن الخطة الإيرانية المتعلق بإدارة مضيق هرمز، بحسب برلمانيين إيرانيين، عدداً من المحاور الرئيسية، منها الترتيبات الأمنية في المضيق، وضمان سلامة الملاحة البحرية، إضافة إلى ترتيبات مالية ونظام لفرض رسوم بالعملة المحلية.

كما تؤكد أيضاً على منع الولايات المتحدة و"إسرائيل" من العبور في المضيق، مع حظر عبور الدول المشاركة في فرض العقوبات الأحادية ضد إيران، إلى جانب التعاون مع سلطنة عُمان في إطار البنية القانونية المنظمة للمضيق (وتلك لفتة بالغة الاهمية، تؤكد مراعاة إيران لحقوق الدول الجارة).

وحتى تحول المشروع الإيراني، الذي أقرته في لجنة الأمن القومي، إلى القانون سيكون بحاجة إلى مناقشته في جلسة البرلمان وإقراره.

وبإقراره رسمياً، تكون إيران قد استطاعت ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد:

​أولاً، حققت عائداً مالياً ضخماً بالعملة الصعبة (أو حتى بالريال الإيراني) يكسر حدة العقوبات الاقتصادية؛

ثانياً، انتزعت اعترافاً دولياً ضمنياً بسيادتها على هذا الشريان العالمي؛ فكل ناقلة تدفع الرسوم هي في الواقع تُقر بسلطة طهران القانونية فوق الممر.

هذا "التأميم الواقعي" للمضيق سيدفع كافة دولة العالم لطلب التنسيق المباشر مع طهران، مما يعزل الإرادة الأمريكية الساعية لخنق إيران اقتصادياً.

​تراص الصفوف وصعود "القيادة الجماعية"

​داخلياً، ورغم التحديات المعيشية الصعبة الناجمة عن العقوبات، فقد أدى غياب الرؤوس الكبيرة في هيكلية السلطة إلى نتيجة عكسية لما تمنته القوى الخارجية. بدلاً من الانهيار، شهدت إيران صعود جيل جديد من القيادات الميدانية في الحرس الثوري والقوات المسلحة، يتميز بالروح الثورية والمرونة العسكرية.

​هذه "القيادة الجماعية" قلّصت الاعتماد على "كاريزما الفرد" واستبدلتها بـ "مؤسساتية الحرب"، مما جعل النظام أكثر مرونة في مواجهة الاغتيالات. كما أن حالة "الخطر الوجودي" ساعدت في تعبئة القواعد الشعبية المحافظة وصهرها في بوتقة "الدفاع عن الوطن"، مما خلق جبهة داخلية صلبة تعوّض التصدعات التي أحدثتها الأزمات الاقتصادية.

​المحور الواحد والمعركة الواحدة

لطالما روّج خصوم إيران لسردية غير حقيقية مضمونها "أن طهران تعتمد على حلفائها في خوض المواجهات داخل المنطقة، بينما تبقى بعيدة عن الانخراط المباشر في الميدان"، متجاهلين حضور قادتها الميداني في الساحات العربية والأثمان الاقتصادية والعسكرية الباهظة التي دفعتها جراء مواقفها الرافضة للوجود الأميركي في المنطقة والداعمة لكل أشكال المقاومة لـ"إسرائيل".

إلا أن الحرب الأخيرة هدمت هذا الادعاء تماماً؛ حيث انخرطت طهران في مواجهة مباشرة وأصيلة مع أعدائها، متجاوزةً كافة الحواجز لتخوض المعركة بنفسها في ظل أعقد الظروف.

فالحقيقة إن الضغط العسكري الهائل الذي كان يهدف إلى تفكيك شبكة المقاومة أدى إلى نتيجة عكسية؛ حيث توحدت الرؤية السياسية والميدانية للمحور تحت شعار "المصير المشترك". هذا الانصهار جعل من المستحيل الاستفراد بطرف دون إشعال الجبهات الأخرى، مما حوّل المنطقة إلى ساحة مواجهة شاملة ومترابطة.

​إعادة تعريف النصر في صراع الاستنزاف

​في الختام، لا يمكن إنكار أن إيران تدفع ثمناً باهظاً من بنيتها التحتية واستقرارها المعيشي، لكن لغة المصالح الاستراتيجية تقول إن طهران استطاعت انتزاع مكاسب "سيادية" لم تكن تحلم بها قبل الحرب. إن الوصول إلى العتبة النووية، والتحكم المالي بمضيق هرمز، وكسر التفوق الجوي التقليدي، هي أوراق قوة تجعل من إيران "اللاعب الذي لا يمكن تجاوزه" في أي ترتيبات إقليمية قادمة.

​إن النصر في هذا السياق لا يقاس بعدد الأبنية المدمرة أو القيادات المغتالة، بل بالقدرة على فرض "واقع جيوسياسي جديد" يُجبر العالم على التفاوض بشروط إيران. لقد تحولت إيران من دولة تحاول البقاء تحت الحصار، إلى دولة تفرض رسوماً على مرور التجارة العالمية وتدير توازنات الرعب النووي وتجبر ملايين الإسرائيليين على العيش في الملاجئ، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في موازين القوى في المنطقة.

اخبار ذات صلة