مع غروب الشمس في غزة، لا يأتي الليل محمّلًا بالسكينة، بل يفتح فصلًا جديدًا من القلق داخل خيام النزوح والمنازل المتضررة، حيث تتحول الساعات المظلمة إلى اختبار يومي للصمود.
في تلك المساحات الضيقة، ينام الأطفال على أصوات الرياح، بينما تبدأ القوارض نشاطها، لتفرض واقعًا قاسيًا يضاف إلى تفاصيل المعاناة اليومية. داخل الخيام ومراكز الإيواء، تتكرر الروايات عن فئران تتسلل ليلًا، تعبث بما تبقى من طعام، وتنهش الأغطية والملابس، بل وتصل أحيانًا إلى مهاجمة الأطفال أثناء نومهم.
إحدى الأمهات تختصر المشهد بقولها إن الخوف من الليل لم يعد مرتبطًا فقط بأصوات القصف، بل أيضًا بما هو أصغر حجمًا وأشد وقعًا في النفوس.
أحياء كاملة تحولت إلى ركام، ما وفر بيئة مثالية لانتشار القوارض، خاصة مع تراكم النفايات وغياب عمليات الإزالة. في محيط مراكز الإيواء والأزقة الضيقة، تتزايد أعداد الجرذان بشكل لافت، وسط عجز واضح عن احتوائها.
وفي إحدى الليالي، استيقظت أم على صراخ طفلها لتجد جرذًا قد هاجمه أثناء نومه، ما تسبب بإصابات في وجهه، في حادثة تعكس حجم الخطر المتكرر. وتؤكد الأم أن هذه ليست المرة الأولى التي ينجو فيها طفلها من هجوم مشابه، لكن هذه المرة لم يكن بالإمكان منعه.
وتوضح أن البيئة المحيطة، المليئة بالركام والنفايات، ساهمت في تفاقم الظاهرة، وجعلت من السيطرة عليها أمرًا شبه مستحيل رغم محاولات متعددة باستخدام وسائل بدائية.
في مناطق أخرى من النزوح، تعيش أمهات حالة ترقب دائم، إذ يقضين الليل ساهرات لحماية أطفالهن من خطر القوارض، بعد أن تحولت هذه المخاوف إلى هاجس يومي. وتؤكد إحداهن أنها جرّبت كل الوسائل الممكنة، من مصائد وسُموم، دون جدوى، في ظل استمرار انتشار الجرذان بأحجام مختلفة.
تحذيرات رسمية تشير إلى تفاقم الأزمة، مع تزايد انتشار القوارض في بيئات النزوح، نتيجة تراكم الركام وطفح مياه الصرف الصحي ووجود المياه الراكدة وبقايا الطعام، وهي عوامل خلقت بيئة غير مسبوقة لتكاثرها.
ولا تقتصر المخاطر على الإزعاج، إذ تسهم هذه القوارض في نقل بكتيريا خطيرة، خاصة مع اختلاط فضلاتها بالمياه، ما يرفع احتمالات الإصابة بأمراض جلدية ومعدية، في وقت يعاني فيه القطاع من نقص حاد في أدوات المكافحة، وغياب المبيدات، وضعف الإمكانيات الصحية.
في غزة، لم يعد الليل مجرد وقت للراحة، بل مساحة مفتوحة لمخاوف جديدة، حيث تتداخل أصوات الريح مع حكايات الخوف، ويصبح النوم ذاته معركة يومية من أجل الأمان.