تختلط الذكريات بغبار الركام وصوت الحياة بصدى الفقد، إذ خرجت داليا سميح الخوري لا كناجية فحسب، بل كشهادة حيّة على أن الحقيقة لا تموت، لم تكن قصتها مجرد نجاتها من ضربة قاسية، بل بداية جديدة لامرأة قررت أن تواصل الطريق، حتى وإن فقدت ساقها، متمسكةً بعدستها ورسالتها.
داليا، المصورة الصحفية البالغة من العمر 35 عاماً، لم تكن تعلم أن يوم الثلاثين من يونيو 2025 سيقلب حياتها رأساً على عقب؛ فبعد 17 عاماً قضتها خلف الكاميرا توثق الألم، وجدت نفسها فجأة في قلبه، لتتحول من ناقلة للحدث إلى واحدة من ضحاياه.
في ذلك اليوم، وبعد انتهاء عملها، جلست مع زميلاتها في أحد المقاهي بحثاً عن لحظة هدوء وسط ضجيج الحرب، لكن تلك اللحظة تحولت إلى مأساة، حين استهدفت ضربة عنيفة المكان، لتخلف مجزرة أودت بحياة عدد من صديقاتها وآخرين، تقول داليا بصوت مثقل بالفقد: "خسرت صديقاتي.. وخسرت ناس كثير، اللي صار فوق الوصف".
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة قاسية داخل مستشفى الشفاء، حيث أمضت خمسة أشهر تصارع إصابتها الخطيرة، لم تكن المعاناة جسدية فقط، بل تفاقمت بفعل نقص المعدات الطبية وضعف الإمكانيات، ما أدى إلى تدهور حالتها تدريجياً، وانتهى الأمر ببتر ساقها.
وتروي داليا بألم ووجع معانتها مع العلاج حيث قالت: "ما كان في علاج كافي ولا معدات... كل يوم كانت إصابتي تسوء".
لم يتوقف الألم عند حدود الجسد؛ فقد خسرت أيضا أدوات عملها -كاميراتها وجهاز الحاسوب- التي كانت مصدر رزقها الوحيد، ومع ذلك، لم تستسلم، إذ عادت إلى العمل بما توفر، تستأجر المعدات من أصدقائها، وتحاول أن تستعيد دورها رغم كل الصعوبات. تقول بإصرار: "رجعت أشتغل، حتى لو بإمكانيات محدودة، كل شيء اليوم بالإيجار".
وتعيش داليا اليوم في خيمة بعد أن فقدت منزلها، وقد سبق أن فقدت والدها عام 2021، ثم إخوتها خلال الحرب الأخيرة، لتجد نفسها في مواجهة قاسية مع الوحدة والفقد المتكرر. ورغم ذلك، لا تزال تقاوم.
وفي ظل هذا الواقع، توجه نداءً إنسانياً عاجلاً إلى الجهات الرسمية واتحاد الصحفيين والمنظمات الدولية، مطالبةً بدعمها لاستعادة أدوات عملها أو تمكينها من السفر للعلاج وتركيب طرف صناعي يعيد لها قدرتها على الحركة، وتقول: "فقدت جزء من جسمي، بس نفسي أعيش زي أي إنسان… هذا حقي."
كما تحذر من تدهور حالتها الصحية بسبب نقص العلاج، واضطرارها لتقليل تغيير الضمادات، ما يهدد بمضاعفات خطيرة.
لم تتوقع داليا أن تتحول من شاهدة على الأحداث إلى جزء منها، لكن الحرب لا تمنح أحداً خياراً. في لحظة واحدة، انهار كل شيء: المكان، الأصدقاء، وتفاصيل الحياة اليومية. ومن بين هذا الركام، بدأت حكاية أخرى—أكثر قسوة، لكنها أيضاً أكثر صلابة.
خمسة أشهر في المستشفى لم تكن مجرد علاج، بل معركة يومية مع الألم، ومع قسوة الظروف، ومع فكرة الفقد ذاتها. هناك، أدركت داليا أن الجسد قد يُهزم، لكن الإرادة قادرة على الصمود. وحين فقدت ساقها، لم تفقد اتجاهها.
خارج المستشفى، لم يكن الواقع أكثر رحمة: خيمة ضيقة، غياب العائلة، وذكريات ثقيلة. ومع ذلك، تمسكت بالكاميرا، حتى وإن لم تعد تملكها. استعارت، استأجرت، وتكيفت… لأن التوقف لم يكن خياراً.
في كل صورة تلتقطها، تعلن تحدياً جديداً: أن الحقيقة تستحق أن تُروى، وأن الصورة أقوى من الألم، لم تعد مجرد مصورة توثق الواقع، بل أصبحت جزءاً منه—صوتاً لمن لا صوت لهم.
وتقول في لحظة تأمل: "أنا مش بس بدي أتعالج… بدي أرجع أوقف وأشتغل. هاي حياتي وهاي رسالتي".
ورغم كل ما فقدته، لا تزال تحلم: بطرف صناعي يعيد لها التوازن، بكاميرا جديدة تعيد لها مهنتها، وبفرصة للعلاج تفتح لها باب العودة.
داليا الخوري ليست مجرد مصورة فقدت ساقها، بل قصة إنسانية مكتملة عن امرأة رفضت أن تبقى تحت الركام، فنهضت منه حاملةً رسالتها. في كل صورة تلتقطها اليوم، تختصر المعنى: قد يُدمَّر المكان، وقد يُكسَر الجسد، لكن الحقيقة… لا تُهزم.
قصتها ليست مجرد حكاية فردية، بل شهادة حيّة على ما يواجهه الصحفيون من مخاطر وتضحيات لنقل الحقيقة. وبينما خسرت داليا ساقها وعدستها، لم تخسر رؤيتها ولا إصرارها على الاستمرار. كل ما تطلبه اليوم هو حقها في العلاج، وحقها في أن تعود لتقف -ولو بطرف صناعي- خلف الكاميرا، لتواصل رواية الحياة رغم كل هذا الألم.