على رمال شارع الرشيد بمحاذاة مفترق النابلسي في قطاع غزة، تبرز خيمة متهالكة لا تشبه في ظاهرها المنازل، لكنها تضم في ثناياها قصة كفاح استثنائية لعائلة إبراهيم أبو جبل. هذه الخيمة التي تفصل بين داخلها وخارجها قطعة قماش هشة، تحولت من مجرد مأوى للنزوح إلى ورشة عمل تعج بالحركة والنشاط على مدار الساعة.
داخل هذه المساحة الضيقة، تنهمك عائلة أبو جبل المكونة من تسعة أفراد في عملية شاقة لإعادة تدوير الإسمنت المتحجر المستخرج من تحت أنقاض المنازل المدمرة. يقود هذا العمل الفتى فارس البالغ من العمر 16 عاماً، والذي وجد في هذا المشروع وسيلة للتعافي من آثار تجربة اعتقال قاسية مر بها في السجون الإسرائيلية.
تبدأ رحلة الإنتاج من منطقة المغراقة، حيث يتوجه فارس كل يومين للبحث بين الركام عن كتل الإسمنت التي فقدت خصائصها الكيميائية بفعل الزمن والرطوبة. يتم نقل هذه الكتل عبر وسيلة نقل بسيطة إلى الخيمة، لتبدأ هناك مراحل المعالجة اليدوية التي تتطلب جهداً عضلياً كبيراً وصبرًا طويلاً.
يجلس الأب إبراهيم مستخدماً مطرقة حديدية صنعها يدوياً من مخلفات قذيفة دبابة إسرائيلية، ليبدأ بتفتيت الكتل القاسية وتحويلها إلى أجزاء صغيرة. هذه المفارقة المؤلمة، حيث تتحول أداة القتل إلى أداة للبناء، تلخص واقع الحياة في غزة التي تحاول استغلال كل ما هو متاح لضمان البقاء.
المرحلة الثانية تتضمن تحميص الإسمنت المفتت على لوح معدني فوق نار مشتعلة، وهي مهمة يتولاها فارس وسط أدخنة كثيفة وغبار يتطاير في كل مكان. يعبر الفتى عن تعبه من هذه المهنة الشاقة التي لم تكن يوماً خياراً، بل فرضتها ظروف الحرب والحاجة الماسة لتأمين لقمة العيش لعائلته.
تشارك الأم وأطفالها الصغار في المرحلة الثالثة، وهي غربلة الإسمنت المحمص باستخدام أدوات بدائية ومناخل ذات مسامات دقيقة جداً. يعمل الجميع بأكف عارية بلا قفازات أو أدوات حماية، مما يترك جروحاً وآثاراً واضحة على أيديهم الصغيرة التي كان من المفترض أن تمسك بالأقلام في مقاعد الدراسة.
تتحدث الأم بنبرة يملؤها الحزن عن حرمان أطفالها من التعليم واللعب، واضطرارهم للمشاركة في هذا العمل المجهد لسد النقص في الأيدي العاملة. وتؤكد أن غياب المدارس وضيق سبل العيش جعل من هذه الورشة البديل الوحيد المتاح لحماية الأسرة من العوز والجوع في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار.
ينتج هذا المشروع العائلي الصغير نحو سبعة أكياس من الإسمنت يومياً، حيث يصل سعر الكيس الواحد إلى نحو 200 دولار أمريكي في السوق السوداء. هذا السعر المرتفع يعكس النقص الحاد في مواد البناء الأساسية التي يمنع الاحتلال دخولها إلى القطاع منذ سنوات طويلة، مما شل حركة الإعمار تماماً.
يرى خبراء اقتصاديون أن ما تقوم به عائلة أبو جبل يندرج تحت مفهوم 'اقتصاد البقاء'، وهو التكيف القسري مع واقع الحصار لخلق فرص عمل بحدها الأدنى. وأفادت مصادر اقتصادية بأن الإسمنت يمثل المحرك الأساسي لأكثر من عشرين مهنة مرتبطة بقطاع البناء، مما يجعله سلعة استراتيجية يتحكم الاحتلال في تدفقها لخنق الاقتصاد.
من الناحية الفنية، يشير مهندسون مدنيون إلى أن الإسمنت المعاد تدويره لا يمتلك الكفاءة المطلوبة للبناء الإنشائي المتين، حيث لا تتجاوز قدرته الرابطة 20%. ومع ذلك، يظل هذا الحل الاضطراري هو الخيار الوحيد المتاح للسكان لإجراء ترميمات بسيطة أو بناء جدران استنادية مؤقتة وسط ركام الدمار الهائل.
تؤكد التقارير الهندسية أن الإسمنت يفقد صلاحيته بعد ستة أشهر من تصنيعه، وبما أن غزة لم يدخلها إسمنت جديد منذ فترة طويلة، فإن المادة المتاحة حالياً تفتقر للمواصفات القياسية. ورغم ذلك، يحاول السكان تحسين جودته بإضافة بعض المواد الرابطة النادرة التي يتم الحصول عليها بصعوبة بالغة وأسعار مرتفعة جداً.
في زاوية أخرى من الخيمة، يحاول الطفل أحمد البالغ من العمر 13 عاماً أن يكون سنداً لإخوته، رغم الصدمة التي تعرض لها بعد احتجازه لساعات من قبل جنود الاحتلال. يقوم أحمد بتعبئة الأكياس وحملها، محاولاً في الوقت ذاته الترفيه عن شقيقتيه الصغيرتين رهف وتالا اللتين تشاركان في العمل بجمع الأكياس الفارغة.
تجسد قصة هذه العائلة مأساة قطاع غزة الذي يرزح تحت وطأة 60 مليون طن من الركام، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة الأخيرة. ومع دمار نحو 80% من المنشآت والمباني، تحول البحث في الأنقاض إلى مهنة يومية لآلاف العائلات التي تبحث عن حديد أو إسمنت أو حتى أثاث صالح للاستخدام.
ومع غياب شمس النهار، تظل خيمة عائلة أبو جبل شاهدة على إرادة لا تنكسر، حيث يختلط غبار الإسمنت بعرق الجبين في معركة يومية من أجل الكرامة. إنها حكاية شعب يرفض الاستسلام للواقع، ويصنع من بقايا القذائف والركام أدوات لبناء أمل جديد، مهما كان هشاً أو محدود الإمكانيات.