في قطاع غزة الذي تتشابك فيه الأزمات الاقتصادية مع تفاصيل الحياة اليومية، لم تعد أزمة السيولة النقدية مجرد رقم في تقارير اقتصادية، بل تحولت إلى عبء ثقيل يعطّل أبسط احتياجات الناس، وعلى رأسها التنقل، ومع ندرة "الفكة" وتعقّد الوصول إلى النقد، وجد الغزيون أنفسهم أمام معضلة يومية: كيف يدفعون أجرة المواصلات؟
لكن كما في كل مرة، لم ينتظر الناس حلولًا خارجية، فمن قلب الأزمة خرجت فكرة بسيطة وفعّالة في آن واحد: "بطاقة وصلني"، قسائم ورقية صغيرة تحوّلت سريعًا إلى وسيلة دفع بديلة، تُستخدم بدل النقود في الحافلات وسيارات الأجرة.
الفكرة تقوم على شراء المواطن بطاقة بقيمة محددة مسبقًا، ثم استخدامها لدفع أجرة التنقل، فيحتفظ السائق بهذه البطاقة، ليعيدها لاحقًا إلى موزع معتمد، ويستبدلها بقيمتها عبر تطبيق مالي، بهذه الآلية، تشكّلت دورة اقتصادية متكاملة: مواطن يشتري، يستخدم، سائق يجمع، ثم يستعيد القيمة رقميًا، لا نقد يتداول، لكن الحركة لا تتوقف.
ما بدأ كحل فردي، سرعان ما توسّع ليصبح شبكة شبه منظمة داخل قطاع المواصلات، بل وتجاوزها أحيانًا إلى بعض المحال التجارية، ومع الوقت، نشأ ما يشبه "اقتصادًا مصغرًا" قائمًا على الثقة والتعاون، حيث تحوّلت البطاقة إلى وسيط مادي، والتطبيق إلى وسيط مالي.
ارتياح لدى الناس
يقول أبو محمد، وهو سائق أجرة، إن المشكلة لم تكن في قلة الركاب، بل في غياب الفكة: “كنا يوميًا نضيع وقتنا في محاولة توفير باقي النقود، اليوم الأمور صارت أسهل، نعمل بدون توتر.”
أما أم أحمد، فتصف التجربة بأنها أعادت لها شعور الراحة: “كنت أحيانًا أدفع أكثر من حقي فقط لأني لا أملك فكة. الآن أعرف كم أدفع بالضبط، دون إحراج.”
الشباب أيضًا وجدوا في "وصلني" حلًا عمليًا.. يقول خليل: “الفكرة بسيطة، لكنها وفّرت علينا وقتًا وجهدًا. صارت جزءًا من يومنا.” فيما يشير أبو العبد، سائق باص، إلى أن التعامل بالبطاقات لم يعد محصورًا بالركاب، بل أصبح بين السائقين أنفسهم، وحتى بعض التجار.
ورغم بساطة الفكرة، إلا أن أثرها كان عميقًا؛ فقد خففت من حدة أزمة السيولة داخل قطاع المواصلات، وخلقت نموذجًا محليًا مرنًا للتعامل مع الأزمات، دون الحاجة إلى بنى معقدة أو تدخلات رسمية.
لكن هذا الحل، على أهميته، لا يخلو من التحديات، فغياب جهة تنظيمية قد يفتح الباب أمام التلاعب أو فقدان الثقة، خاصة إذا توسّعت التجربة بشكل غير مضبوط، كما أن الاعتماد على هذه القسائم يبقى مؤقتًا، لا يمكن أن يعوّض الحاجة الأساسية لتوفر النقد.
ورغم ذلك، يختصر المواطن أمجد خليل التجربة بجملة واحدة: “ارتَحنا… بدل ما ندوّر على الفكة، صرنا نشتغل بنظام واضح.”
في غزة، لا تُقاس الحلول بحجمها، بل بقدرتها على الاستمرار. و"وصلني" ليست مجرد بطاقة، بل دليل جديد على أن الناس، حين تُحاصرهم الأزمات، يبتكرون طرقًا للحياة.