رغم توقف معظم الأنشطة الرياضية في قطاع غزة نتيجة الحرب والدمار، تبرز بين الركام قصص إنسانية استثنائية تعيد تعريف معنى الإرادة والصمود.
ففي وقت غابت فيه الملاعب وهدأت أصوات الجماهير، اختار مبتورو الأطراف أن يصنعوا لأنفسهم مساحة للحياة، عبر كرة القدم التي تحولت من مجرد لعبة إلى رسالة تحدٍ وأمل تتجاوز حدود الملعب.
عودة الروح إلى الملاعب
في أحد الملاعب البسيطة وسط قطاع غزة، اجتمع لاعبو فرق كرة القدم للمبتورين، مثل فريق "غزة الإرادة" وفريق "طيور الشمس"، لخوض بطولة كروية تحمل أكثر من طابع رياضي، إذ تمثل محاولة لإحياء النشاط الرياضي بعد عامين من التوقف القسري بفعل الحرب.
يقول الجريح محمود سكر من حي الشجاعية: "اليوم جايين نلعب ونفرجي الناس إننا موجودين، الإرادة ما تنكسِر، رغم الإصابة والبتر والحرب والمجاعة، ما في شيء يوقفنا، بدنا العالم يشوف إحنا مين".
ويؤكد أن هذه الفعاليات لا تقتصر على التنافس الرياضي، بل تحمل رسالة إنسانية واضحة مفادها أن الإعاقة ليست نهاية الطريق، بل بداية لمرحلة جديدة من التحدي وإعادة بناء الذات".
ويضيف: "إحنا مش إعاقة، إحنا ناس نمارس حياتنا بشكل طبيعي، ونحتاج دعمكم عشان نكمل المشوار".
من الألم إلى رسالة تتجاوز الحدود
لم تكن هذه البطولة مجرد حدث رياضي، بل منصة لإيصال رسالة أعمق حول قدرة الإنسان على تجاوز الفقد وتحويل المعاناة إلى قوة، ويشير منسق فريق "طيور الشمس" عبد الحكيم عواض إلى أن الهدف يتجاوز حدود القطاع.
وقال عواض: "اليوم هدفنا نعيد إحياء الرياضة بعد الدمار، ونوصل رسالة للعالم إننا ما زلنا موجودين، نطمح للوصول إلى البطولات الدولية لتمثيل فلسطين".
كرة القدم كوسيلة للحياة
في غزة، لم تستسلم فرق المبتورين للواقع القاسي، بل واصلت التدريب رغم نقص الإمكانيات وصعوبة الظروف، اللاعبون الذين فقدوا أطرافهم نتيجة الحرب، لم يفقدوا شغفهم بالحياة، بل جعلوا من كرة القدم وسيلة للعلاج النفسي ومتنفسًا للأمل.
يقول أحد اللاعبين: "نحن لا نلعب فقط كرة القدم، نحن نقاوم بها اليأس ونثبت أن الحياة لا تتوقف عند فقدان جزء من الجسد".
أما اللاعب عدل عبيد فيستعيد ما قبل الحرب قائلا: "كنا نعيش حياتنا بشكل طبيعي، ثم جاءت الحرب وغيرت كل شيء، فقدنا أطرافنا، لكننا لم نفقد إرادتنا، الاحتلال حاول يكسرنا، لكننا مستمرون، واليوم نؤكد أن الإصابة ليست نهاية الحياة بل بداية جديدة".
مباراة تحمل ألف رسالة
في بطولة جمعت فرقًا من غزة ودير البلح، لم يكن الهدف تسجيل الأهداف فقط، بل إيصال رسالة إنسانية تعبر عن الصمود.
يقول أحد اللاعبين: "هذه المباراة ليست لنا وحدنا، بل لكل من فقد شيئًا في حياته، نريد أن نقول إن الحياة تستمر، وإن الحلم ممكن يتحقق مهما كانت الظروف."
إرادة تبحث عن دعم
وسط هذه التجربة الإنسانية، تتعالى الدعوات لدعم هذه الفئة التي تعيش واقعًا صعبًا لكنها تواصل التحدي بإصرار كبير، ويؤكد اللاعبون أن الرياضة تمثل لهم مساحة أمل حقيقية، رغم غياب البنية التحتية وصعوبة التنقل وقلة المعدات.
محمد أبو بيض.. من الإصابة إلى بداية جديدة
في أحد ملاعب غزة البسيطة، يقف اللاعب محمد أبو بيض مستندًا إلى عكازه، لكنه ثابت بإرادة لا تنكسر، كان شابًا يمارس حياته الطبيعية، قبل أن تغير الحرب مسار حياته بعد إصابة أدت إلى بتر في قدمه.
يقول محمد: "كانت لحظة صعبة جدًا، شعرت أن حياتي توقفت، لكن مع الوقت بدأت أتعافى نفسيًا وأبحث عن بداية جديدة."
ويضيف: "كرة القدم بالنسبة لي ليست مجرد لعبة، هي حياتي، من خلالها أفرغ طاقتي وأشعر أنني قادر على الاستمرار".
ويوجه رسالة لكل من يمر بتجربة مشابهة: "الإعاقة ليست نهاية الحياة. البداية قد تكون صعبة، لكن بالإرادة كل شيء ممكن. لا تستسلموا."
إرادة لا تُبتر
في غزة، حيث يختلط الألم بالأمل، يكتب مبتورو الأطراف قصة مختلفة؛ قصة لا تنتهي بالبتر، بل تبدأ منه، على عكازاتهم يركضون خلف كرة صغيرة، لكنهم في الحقيقة يركضون نحو الحياة، نحو الأمل، ونحو إثبات أن الإنسان يُقاس بإرادته لا بما فقده.