يدق أبو حسين، أحد النازحين في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، المسمار في الخشب، ليفكك خيمته، بل أن أحاطها بالشوادر طوال فصل الشتاء اتقاءً للبرد والمطر؛ لتغدو اليوم عبئاً يخنق أنفاسها تحت لهيب الصيف الحار.
ينزع الرجل الأربعيني، ما تبقى من شوادر النايلون التي كانت تحميه، فيما يواجه واقعاً جديداً لا يقل قسوة؛ فكما كان للشتاء رواية قاسية ترويها خيام غمرتها المياه واقتلعتها الرياح العاتية، وبرد ينخر العظام، فإن للصيف رواية أخرى لا تقل وجعاً، تُخطها الشمس الحارقة التي تلسع الأجساد، داخل خيامٍ لا تقي حراً ولا ترد لهيباً.
ويحل فصل الصيف ضيفاً ثقيلاً على قطاع غزة، الذي دمر الاحتلال الإسرائيلي منازل سكانه خلال حرب الإبادة الجماعية منذ السابع من أكتوبر 2023م، ما اضطرهم إلى النزوح والعيش في خيام مهترئة، لا تصلح لشتاء قارس ولا تصمد أمام صيف لاهب، فيتحول المكان المؤقت إلى ساحة معاناة دائمة، تتبدل فيها الفصول، ويبقى الألم واحداً.
يقول أبو حسين، وهو منشغل في تفكيك خيمته، وجبينه يتصبب عرقاً، لـ "مراسل شمس نيوز": "بالشتا كنا نموت من البرد والمطر، واليوم بنموت من الحر، الخيمة صارت زي الفرن، ما بنقدر نقعد فيها لا نهار ولا ليل".
ويضيف: "ما في كهربا ولا مروحة، وبننقل المي نقل، والأولاد تعبانين طول الوقت، الله يعيننا على الصيف الجاي".
غير بعيدٍ عنه، ينشغل شابٌ آخر، بمحاولة تثبيت قطعة قماش خفيفة فوق خيمته، لعلها تصنع ظلاً مؤقتاً يقي عائلته شيئاً من لهيب الشمس، فيما يجلس أطفالٌ على الأرض الحارَّة، يحملون قطع كرتون صغيرة ويُلوِّحون بها قرب وجوههم، وكأنها مروحة من العصر الحجري، كأنهم يلاحقون نسمة هواء مفقودة.
في مكانٍ آخر في مخيمات النزوح وسط قطاع غزة، تُوضِّب أم خليل ملابس أطفالها الشتوية، وتُخرج من الأكياس ملابس الصيف، وقد بدت على وجهها ملامح قلقٍ لا تخطئه العين، تقول لمراسل "شمس نيوز": "كنا خايفين من الشتوية وكيف نعديها، واليوم خايفين من الصيف، لا في مروحة ولا مي والأطفال ما بتحملوا".
وتضيف: "إذا هيك بداية الحر، كيف بدو يكون شهر 7 و8".
وفي فصل الصيف، تتحول الخيام المصنوعة من الأقمشة السميكة والنايلون إلى ما يشبه الأفران الحرارية، حيث تحتبس الحرارة داخلها، ويغدو الهواء خانقاً لا يُحتمل، فتلسع الجدران القماشية أجساد قاطنيها، ويصبح البقاء في داخلها مخاطرة يومية لا تقل قسوة عن لهيب الشمس في الخارج.
ومع اشتداد الحر، يهرب النازحون من خيامهم في ساعات النهار، باحثين عن ظلٍ واهٍ أو نسمة عابرة، فيما يظل الليل عاجزاً عن منحهم الراحة، إذ تحتفظ الخيام بحرارتها لساعات طويلة، لتتحول إلى صناديق مغلقة تختزن التعب والاختناق، وتُثقل صدور من احتموا بها قسراً جراء الحرب.
وكان الدفاع المدني بغزة في قطاع غزة ومنظمات دولية حذرت من تفاقم الأوضاع الإنسانية للنازحين، مع خروج الغالبية العظمى من الخيام عن الخدمة، وعدم قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحماية مع اقتراب فصل الصيف.
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني الرائد محمود بصل، في تصريحات صحفية، إن مئات آلاف النازحين يعيشون في خيام مهترئة لم تعد صالحة للسكن، مؤكداً أن آلاف الخيام دُمِّرت بالكامل أو اقتلعتها الرياح خلال عواصف الشتاء.
وأضاف بصل أن الخيمة التي كانت ملاذاً أصبحت اليوم خطراً، محذراً من أن الأغطية البلاستيكية والنايلون التالف ستتحول إلى أفران مع ارتفاع درجات الحرارة، ما يُعرِّض النازحين لخطر ضربات الشمس وانتشار الحشرات والزواحف.
وفي السياق، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" بأن عواصف شتاء عام 2026 أثرت على أكثر من 65 ألف أسرة، بعد تعرض خيامها للتلف أو الغرق الكامل.
كما أشارت تقارير صحفية إلى أن نحو 127 ألف خيمة من أصل 135 ألفاً في قطاع غزة أصبحت غير صالحة للإقامة نتيجة التمزق والاقتلاع، في حين كشف تقرير صحفي لصحيفة "الغارديان" البريطانية نُشر في يناير/كانون الثاني 2026 أن الخيام التي دخلت القطاع لا تتوافق مع المعايير الدولية، إذ لا تصمد أمام الأمطار ولا توفر عزلاً حرارياً، ما يجعلها غير مناسبة لفصل الصيف.
وشددت الأمم المتحدة على أن الاعتماد على الخيام لم يعد حلاً، محذرة من أن تأخر توفير بدائل سكنية أكثر استدامة سيعرض حياة مئات الآلاف للخطر، خصوصاً مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب التقديرات، فإن نحو 90% من خيام النازحين في قطاع غزة باتت مهترئة وغير قادرة على مواجهة الظروف المناخية، سواء في الشتاء أو مع دخول فصل الصيف، ما ينذر بكارثة إنسانية وشيكة.
