قائمة الموقع

قتل وتجويع وتوسيع للاحتلال: إسرائيل تنسف اتفاق غزة

2026-04-27T09:40:00+03:00
2 (1).webp
شمس نيوز -

تحلّلت إسرائيل، عبر مسار ميداني متصاعد بدأ مع اندلاع الحرب على إيران ولبنان، من جوهر ما تمّ التوافق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار مطلع تشرين الأول الماضي. إذ لم يكتفِ العدو بالحفاظ على الواقع القائم من دون التقدّم نحو تنفيذ التزامات المرحلة الثانية فحسب، بل كسر ثلاثة محدّدات رئيسة تُشكّل جوهر الاتفاق ذي البنود العشرين. ويتمثّل أهمّ تلك المحدّدات في ملف المساعدات ودخول البضائع التجارية، التي تقلّصت إلى ثلث الكميات المتفَق عليها؛ إضافة إلى «الخط الأصفر» الذي كان من المفترض أن ينسحب منه جيش الاحتلال إلى مناطق حدودية مطلع العام الجاري؛ وكذلك مسألة وقف إطلاق النار، الذي خرقه العدو، منذ الأشهر الأولى، مراراً، بذريعة خرق المقاومة للاتفاق أو اقتراب عناصر ميدانية من مناطق انتشار جيشه بما يشكّل خطراً على جنوده.

وخلال الأيام الثلاثة الماضية، شهدت الأوضاع تصعيداً هو الأكبر من حيث الحجم والتأثير منذ ستة أشهر. ويوم الجمعة، نفّذت الطائرات المسيّرة أربع عمليات اغتيال تسبّبت باستشهاد 15 مواطناً؛ وفي حين طاولت العملية الأولى سيارة تابعة للشرطة الفلسطينية كانت عائدة من فضّ إشكال وقع بين عائلتَين في مدينة خانيونس، ما أدى إلى استشهاد أربعة من رجال الشرطة وثلاثة مدنيين كانوا محتجزين، قصف جيش الاحتلال، في الثانية، منزلاً لعائلة الطناني قرب «مستشفى كمال عدوان» في مدينة بيت لاهيا شمال مدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد عائلة كاملة مكوّنة من أربعة أفراد، بينهم سيدة وطفلان. وتكرّر المشهد ذاته باستهداف نقطة شرطة في حيّ النصر شمالي غرب غزة، حيث استشهد ثلاثة من عناصر الشرطة. وأول من أمس، قصف جيش الاحتلال نقطة شحن هواتف في حيّ الشيخ رضوان، ما أدى إلى استشهاد أربعة مواطنين، فيما أطلقت الدبابات الإسرائيلية النار على المناطق الشمالية من مدينة غزة، وتحديداً مشروع بيت لاهيا ومخيم جباليا.

وتشهد هذه المناطق، منذ أسابيع، ضغطاً ميدانياً يهدف إلى تبديد حال الأمان، ودفع الأهالي الذين عادوا إلى ما تبقّى من منازلهم، إلى الخروج منها. إذ باتت عمليات إطلاق النار العشوائي وقنص المواطنين روتيناً يومياً يحمل عدداً من العائلات على النزوح مجدداً نحو مناطق أكثر أماناً. ويتكرّر المشهد ذاته في المناطق الجنوبية الشرقية من حيّ الزيتون ومخيمات النازحين شرق جباليا، حيث يتعمّد جيش الاحتلال إطلاق النار بشكل مباشر، ما يدفع الأهالي إلى المطالبة بإقامة سواتر ترابية تحميهم من زخّات الرصاص العشوائي اليومي.

أمّا التطور الأبرز والأكثر خطورة، فتمثّل في توسيع جيش العدو مساحة «الخط الأصفر» وقضمه المزيد من الأراضي. ووفقاً لشهادات ميدانية، توغّلت دبابات إسرائيلية، صباح السبت، في المناطق الشرقية لمدينتَي دير البلح وخان يونس، وأطلقت النار في اتجاه منازل المواطنين، ما تسبّب في إصابة العشرات، وحفّز موجة نزوح كبيرة من المنطقة. وتحت جنح ذلك التصعيد، نقلت قوات الاحتلال عدداً من المكعبات الصفراء، معيدةً ترسيم مناطق «الخط الأصفر».

وتعليقاً على هذا التطور، قال الناطق باسم حركة «حماس»، حازم قاسم، في تصريحات صحافية، إن ما جرى يمثّل عملية نسف كاملة لكل اتفاق وقف إطلاق النار الذي لم يعُد «مجلس السلام» قادراً على حمايته ولجم إسرائيل عن اعتداءاتها المستمرة، مطالباً «الوسطاء ومجلس السلام»، الذي لم يُصدر منذ أسابيع أيّ تعليق على المستجدّات المتلاحقة، بالتدخل لوقف انتهاك إسرائيل لما تمّ التوافق عليه.

ويبدو أن المسار الذي يتّبعه جيش الاحتلال ليس عشوائياً، إنما يأتي ضمن مخطّط مدروس، سمح الانشغال الأميركي والدولي بالحرب الإقليمية ببدء تنفيذه بشكل تدريجي وبطيء، من دون إثارة ردود فعل دولية واسعة. ويقوم هذا المخطط، الذي يستهدف القضاء على حركة «حماس»، على هدم ركائز السيطرة الفعلية للأخيرة على القطاع، وهي الاقتصاد، والشرعية الأخلاقية، والأمن.

فعلى الصعيد الاقتصادي، عملت إسرائيل على انتزاع إحدى أبرز الأوراق التي أنتجتها الحرب، والمتمثلة في مشروعية دور «حماس» في إدارة عملية توزيع المساعدات وتنظيمها، وذلك عبر تقويض عمل وكالة «الأونروا» وتجفيف مصادر تمويل العديد من المؤسسات الفاعلة، سواء العربية منها أو الدولية. كما منعت دخول ما يمكن تسميته «البضائع السيادية»، وهي السلع التي توفّر للحكومة في غزة هامشاً مالياً عبر الضرائب، تمكّنها من دفع رواتب نحو 40 ألف موظف مدني وأكثر من 10 آلاف عنصر تنظيمي، ومن أبرزها السجائر والهواتف المحمولة التي تُباع بأضعاف سعرها. إضافة إلى ما تقدّم، منعت إسرائيل دخول بضائع أساسية - من مثل اللحوم والبيض والخضروات والفواكه - في فترات متقطعة، ما أدى إلى عجز مالي كامل استمرّ نحو 70 يوماً، وأقعد الحركة عن دفع رواتب الموظفين الحكوميين والكوادر الحركية.

وعلى المستوى الاجتماعي، تستمرّ الاعتداءات الإسرائيلية بحق المدنيين - لا سيما الأطفال، الذين يقضون يومياً نتيجة عمليات القنص أو القصف العشوائي -، وذلك في مسعى إلى إثارة الجدل الداخلي حول مشروعية فكرة المقاومة وسلاحها. وتريد إسرائيل بهذه العربدة المتواصلة، التي يقابلها ضبط نفس من المقاومة، نزع الشرعية الأخلاقية ليس عن السلاح فقط، بل عن استمرار إدارة «حماس» لحياة الناس في القطاع.

أمّا في الجانب الأمني، فيعمل العدو على تقويض دور الأجهزة الأمنية، مكثّفاً عمليات قصف نقاط الشرطة وملاحقة عناصرها، خصوصاً بعدما نجحت هذه الأجهزة في إعادة ضبط الأمن على نحو فاعل إثر سريان وقف إطلاق النار، وقضت على عمليات السرقة وعصابات السطو على المساعدات وممتلكات المواطنين، وهو ما حظي بإجماع شعبي. ويهدف هذا المسار إلى إشاعة الفوضى وتحويل القطاع إلى «غابة» تتقاتل فيها العشائر والعائلات من دون أيّ ضابط وناظم، ما يسمح بتوغل مجموعات العملاء التي تلقّت هي الأخرى، خلال الأيام الماضية، صفعات أمنية، رغم الغطاء الجوي والحماية التي توفّرها الطائرات المسيّرة لها.

وفي المحصّلة، تشير هذه التطورات إلى وجود نية إسرائيلية لنسف «مجلس السلام» والتحلّل كليّاً من اتفاق وقف إطلاق النار، في وقت تتواصل فيه اللقاءات بين الفصائل الفلسطينية و«المفوض السامي»، نيكولاي ملادينوف، في القاهرة لدفع الاتفاق قدماً.

المصدر: الأخبار اللبنانية

اخبار ذات صلة