رغم تراجع حدّة المواجهات العسكرية في لبنان وتوقف التصعيد الواسع، لا تزال تداعيات الحرب تُلقي بظلالها الثقيلة على اللاجئين الفلسطينيين داخل المخيمات، حيث يتواصل القلق مع قصف متقطع، وتتفاقم الأزمات المعيشية التي أنهكت تفاصيل حياتهم اليومية.
منذ سنوات، يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية مزمنة، إذ يرزح كثيرون تحت خط الفقر، في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، ما يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية تحديًا يوميًا للعائلات، وسط غياب حلول جذرية واستمرار تراجع الخدمات المقدمة لهم.
وزادت الحرب الأخيرة من تعقيد هذا الواقع؛ إذ خلّفت موجات نزوح داخلية وأضرارًا طالت محيط عدد من المخيمات، فضلًا عن حالة خوف مستمرة لا تزال تسيطر على السكان، خصوصًا مع استمرار القصف المتقطع في بعض المناطق، لا سيما في الجنوب.
يقول أبو خالد (52 عامًا)، أحد سكان مخيم الرشيدية: "الحرب خفّت، لكن أثرها موجود في كل بيت. الناس تعبت، والرزق قليل، والخوف بيرجع مع أي صوت انفجار أو خبر عن غارة جديدة".
أما أم محمد، وهي أم لخمسة أطفال نزحت من الجنوب إلى مخيم البداوي شمال لبنان، فتقول: "رجعنا على بيوتنا، لكن ما رجع معنا الأمان. أولادي لليوم بيخافوا من أي صوت عالي، وبس تنقطع الكهرباء أو نسمع طيران، بيرجع الخوف كأن الحرب ما خلصت".
داخل المخيمات، تبدو آثار الحرب واضحة في بنية تحتية أكثر هشاشة، وضغط متزايد على الخدمات، وانقطاع متكرر للكهرباء والمياه. كما يشهد القطاع الصحي تراجعًا ملحوظًا نتيجة نقص التمويل وشح الأدوية، ما يضاعف معاناة المرضى، خصوصًا كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة.
ويقول محمود، وهو شاب فلسطيني عاطل عن العمل: "قبل الحرب كنا نعيش بصعوبة، وبعدها صارت الحياة أثقل. فرص العمل شبه معدومة، والأسعار نار، والشباب صاروا حاسين إن المستقبل مسكّر بوجههم".
من جهتها، تشير الممرضة هناء، العاملة في مركز صحي داخل مخيم عين الحلوة، إلى أن "عددًا كبيرًا من المرضى، خاصة المصابين بأمراض مزمنة، لا يستطيعون تأمين علاجهم بشكل منتظم، فيما تعمل المراكز الصحية فوق طاقتها، بإمكانات محدودة جدًا مقارنة بحجم الحاجة".
ولم يكن الأطفال بمنأى عن هذه التداعيات، إذ تركت الحرب آثارًا نفسية عميقة لديهم، مع خوف متكرر من أصوات الانفجارات واضطراب في مسارهم التعليمي، ما حرم كثيرين منهم من الشعور بالأمان والاستقرار.
يقول الطفل أحمد (10 أعوام): "أنا بس بدي ما يكون في صوت قصف، بدي أرجع ألعب برا، وروح على المدرسة بدون خوف".
ورغم توقف الحرب المفتوحة، لا يزال اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعيشون تداعياتها القاسية؛ بين فقر متزايد، وخدمات محدودة، وقلق أمني يتجدد مع كل توتر مفاجئ، في مشهد يعكس أزمة مستمرة لم تنتهِ بانتهاء المعارك، بل دخلت مرحلة جديدة من المعاناة الصامتة، وسط غياب أفق واضح للحلول.