قائمة الموقع

بالصور طائرات ورقية في سماء غزة: الأطفال يصنعون الأمل من بين الركام

2026-04-28T12:26:00+03:00
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في مخيمات غزة، حيث تختلط أصوات القصف بملامح الحياة اليومية، يبتكر الأطفال طرقهم الخاصة لمقاومة الواقع القاسي. بين الأزقة الضيقة والبيوت المتعبة، ترتفع في السماء طائرات ورقية ملونة، ليست مجرد ألعاب، بل حكايات صمود ينسجها أطفال قرروا أن يصنعوا الفرح بأيديهم، رغم كل ما فقدوه.

في أحد المخيمات، يجتمع عدد من الأطفال حول قطع خشب بسيطة وأكياس نايلون ملونة، يحولونها إلى طائرات ورقية يطلقون عليها اسم “الطباق”. هذه الطائرات ليست للترفيه فقط، بل أصبحت مصدر دخل يساعدهم على إعالة أسرهم في ظل غياب أي مورد مالي.

يقول سليم أبو حميدو والد الأطفال البائعين في حي التفاح، إن الأطفال يعتمدون على شراء المواد الأولية مثل الخشب والنايلون والخيط، ليبدأوا بعدها رحلة التصنيع.

ويوضح أن العمل يزداد مع المواسم، حيث يجمع الأطفال الأخشاب من مناطق مختلفة، ويعملون معًا، أحيانًا كإخوة، لتوفير الحد الأدنى من احتياجاتهم.

تتراوح تكلفة الطائرة الواحدة بين 10 إلى 40 شيكلًا، بحسب المواد المستخدمة، وهي مكونة من الخشب والخيط والنايلون وبعض الزينة البسيطة. ورغم بساطتها، إلا أنها تحمل أشكالًا متعددة مثل “أبو النجمة”، و”العين”، و”أبو الصحارى”، وغيرها من التصاميم التي تضيف لونًا إلى سماء مثقلة بالحزن.

أما الطفل  محمد سليم حمدان حميدو (16 عامًا – حي التفاح) الذي يصنع الطائرات، يقول: “أنا أعمل في صناعة الطائرات الورقية منذ كنت صغيرًا، وحتى قبل الحرب. لكن الآن الوضع أصعب بكثير، فتكلفة الخشب والنايلون وكل المواد أصبحت مرتفعة. أنا وأخوتي نعمل معًا، لأنه لا يوجد لدينا أي مصدر دخل.”

ويضيف: “أشتري الخشب من النجار، وأوفر باقي المستلزمات بنفسي، ثم أصنع الطائرات وأبيعها بأسعار رمزية لنفرح الأطفال. نصنع أشكالًا مختلفة، مثل علم فلسطين، وأبو الصاروخ، وأبو النجمة، وأبو وردة.”

ويتابع محمد بحلم بسيط لكنه عميق: “نفسي أصنع طائرة بشكل المسجد الأقصى، وعلم فلسطين. في اليوم أستطيع صنع من 4 إلى 5 طائرات.”

لكن خلف هذا العمل، قصة فقدان لحق أساسي: “أنا لا أذهب إلى المدرسة، لأننا تأخرنا كثيرًا، ولا توجد مدارس رسمية حاليًا. أتمنى أن تنتهي الحرب، ونعود للدراسة ونعيش حياتنا مثل قبل.”

إلى جانب محمد، يقف شقيقه  اما أخيه أحمد سليم حميدو، الذي يشاركه نفس الطريق والتحدي. فيقول:“أنا أساعد أخي في كل مراحل صناعة الطائرات، من تجهيز الخشب إلى تركيب الخيط والنايلون. نعمل مع بعض لأننا بحاجة لهذا العمل لنساعد أهلنا.”

ويضيف:“أحيانًا نخرج لجمع الأخشاب من أماكن مختلفة، أو نشتريها إذا توفر معنا المال. الشغل متعب، لكنه ضروري، لأنه ما في مصدر دخل ثاني.”

ويتحدث أحمد عن الجانب الإنساني في عملهم: “أجمل شيء لما نشوف الأطفال مبسوطين بالطائرات، رغم كل الظروف. هذا يعطينا دافع نكمل.”

بين أصوات الحرب وصعوبة الحياة، تتحول هذه الطائرات الورقية إلى رمز بسيط للحلم. أطفال يعملون بدلًا من أن يتعلموا، ويصنعون الفرح بدلًا من أن يعيشوه. في كل طائرة ترتفع في السماء، قصة كفاح لعائلة تحاول البقاء.

ورغم قسوة الواقع، لا يزال أطفال غزة يجدون في السماء مساحة للأمل. بطائراتهم الورقية، يكتبون حكاياتهم، ويرسمون مستقبلًا يحلمون أن يكون مختلفًا. وبينما تبقى هذه الطائرات معلقة في الهواء، تبقى أحلامهم معلقة بانتظار يوم يعود فيه كل شيء كما كان.

هذه الطائرات التي تحلق في السماء ليست مجرد ألعاب، بل رسائل صامتة تحملها الرياح، تعبر عن أطفال حُرموا من التعليم والأمان، فاختاروا العمل بدلًا من الجلوس على مقاعد الدراسة. هي محاولة صغيرة لصناعة حياة وسط واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

بين الخشب البسيط والخيط الرفيع، ينسج أطفال غزة قصصهم اليومية، محاولين التحليق فوق الألم ولو للحظات. طائراتهم الورقية قد لا تغير الواقع، لكنها تمنحهم شيئًا من الأمل… والأمل، في مثل هذه الظروف، هو كل شيء.

اخبار ذات صلة