قائمة الموقع

حين تُقاتل الأحلام للبقاء: لانا العشي والتايكواندو في ظل حرب غزة

2026-04-29T18:19:00+03:00
لاعبو التايكواندو في غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في مدينةٍ أنهكتها الحرب، حيث تختلط أصوات القصف بأنين الذكريات، لا تتوقف الحكايات عند حدود الألم، بل تتجاوزها لتروي قصصًا عن أحلامٍ تقاتل كي تبقى حيّة، في غزة، لم تكن الرياضة يومًا مجرد نشاط ترفيهي، بل كانت متنفسًا وحيدًا لكثير من الشباب والأطفال، مساحةً للهروب من ضيق الواقع إلى رحابة الأمل.

من بين هؤلاء، برزت لانا العشي، طفلة حملت بين يديها أكثر من مجرد قفازات التايكواندو؛ حملت حلمًا كبيرًا بأن تمثل بلدها في المحافل الدولية، وأن ترفع علم فلسطين عاليًا رغم كل القيود.

كانت ساحات التدريب بالنسبة لها عالمًا متكاملًا، مليئًا بالتحدي والإنجاز والضحكات، لكن هذا العالم لم يسلم من رياح الحرب التي قلبت كل شيء رأسًا على عقب.

اليوم، لم تعد لانا تقف على بساط التايكواندو كما كانت تفعل، بل تقف في مواجهة واقعٍ قاسٍ، تحاول أن تحافظ فيه على ما تبقى من حلمها وسط الركام.

حياة كانت تنبض بالحلم

قبل اندلاع الحرب، كانت لانا تعيش حياةً مليئة بالحيوية. كانت تستيقظ مبكرًا، تذهب إلى مدرستها، ثم تتجه إلى ناديها الرياضي بكل شغف. هناك، ترتدي زي التايكواندو الأبيض، وتبدأ تدريباتها التي كانت تمزج بين التعب والمتعة.

لم تكن التايكواندو مجرد رياضة بالنسبة لها، بل أسلوب حياة، علّمها الانضباط، الصبر، والثقة بالنفس، كانت تحلم بالمشاركة في بطولات محلية ودولية، وتخطو بثبات نحو تحقيق هذا الهدف.

 

الحرب حين تتوقف الأحلام قسرًا

مع اندلاع الحرب على قطاع غزة، تغيّرت حياة لانا بشكل جذري، لم تعد هناك تدريبات، ولا أندية مفتوحة، ولا حتى شعور بالأمان، النزوح أجبرها وعائلتها على مغادرة منزلهم، وأصبحت الأولويات مختلفة تمامًا.

تقول لانا إن أصعب ما في الأمر لم يكن فقط فقدان المكان، بل فقدان الروتين الذي كان يمنحها الاستقرار النفسي، النوادي أُغلقت، المدربون تفرقوا، والأصدقاء أصبحوا مجرد ذكريات أو أسماء يصعب التواصل معها.

فتروي لانا بصوتٍ يحمل مزيجًا من الحنين والألم: "قبل الحرب، كنت أروح على التمرين وأنا متحمسة كثير، كنت أحب ألبس البدلة البيضاء وأتخيل حالي في بطولة كبيرة، والكل بيشجعني، التايكواندو كل حياتي."

وتتابع: "لما بلشت الحرب، كل شيء وقف فجأة، تركنا بيتنا، وما عاد في مكان نتمرن فيه، حتى لو في مكان، ما في أمان، ولا أدوات، ولا نفسية تساعدنا نكمل".

وعن تأثير الحرب على حياتها تقول: "في صديقات إلي كانوا يتمرنوا معي، ما عدت أشوفهم، في ناس سافروا، وفي ناس فقدناهم، هاد الشي كان صعب كثير عليّ".

ورغم كل ذلك، تؤكد لانا أن حلمها لم ينتهِ: "أنا لسه بحلم، حتى لو تمرين بسيط في مكان صغير، بحاول ما أنسى اللي تعلمته، نفسي ترجع الأيام زي قبل، ونرجع نتمرن ونشارك في بطولات".

رياضة تحت الحصار تحديات يومية

تعكس قصة لانا واقعًا أوسع يعيشه العديد من الرياضيين في غزة، فالحرب لم تدمر البنية التحتية فقط، بل طالت أيضًا المساحات الآمنة التي كانت تحتضن المواهب.

قلة الإمكانيات، انعدام الأمن، الضغط النفسي، وفقدان الدعم، كلها عوامل جعلت الاستمرار في التدريب أمرًا شبه مستحيل.

ومع ذلك، يحاول البعض التمسك بما تبقى من شغفهم، ولو بطرق بسيطة، داخل منازلهم أو في أماكن ضيقة، في محاولة للحفاظ على أحلامهم من الاندثار.

الرياضة كوسيلة نجاة

في ظل هذه الظروف، لم تعد الرياضة رفاهية، بل أصبحت وسيلة للبقاء النفسي. فهي تمنح الشباب متنفسًا للتعبير عن مشاعرهم، وتساعدهم على التخفيف من وطأة الضغوط اليومية.

لانا، كغيرها، تجد في التايكواندو مصدر قوة داخلية، يساعدها على الصمود، ويمنحها أملًا في مستقبلٍ أفضل، رغم كل التحديات.

في غزة، قد تُهدم الملاعب، وتُغلق الأندية، وتُسرق اللحظات الجميلة، لكن ما لا يمكن للحرب أن تنتزعه هو الإصرار الكامن في قلوب الصغار.

لانا العشي ليست مجرد لاعبة تايكواندو، بل هي صورة لجيلٍ كامل يرفض أن يستسلم، ويتمسك بأحلامه رغم كل شيء.

قد تتعثر الخطوات، وقد يتأجل الحلم، لكنه لا يموت، وفي كل ركلة تتخيلها لانا، وكل تمرين تحاول أن تحافظ عليه،

 هناك رسالة واضحة هو أن الحياة، مهما اشتدت قسوتها، لا تزال تستحق أن نُقاتل من أجلها وأن الأحلام، مهما حاصرتها الحرب، ستجد طريقها يومًا إلى النور.

اخبار ذات صلة