شكّل اعتراض بحرية الاحتلال الإسرائيلية لـ"أسطول الصمود العالمي" في المياه الدولية قبالة جزيرة كريت اليونانية، فجر الخميس، محطة جديدة في الصراع المتصاعد حول حصار قطاع غزة، لكنه في الوقت ذاته أعاد فتح النقاش الدولي بشأن شرعية الحصار البحري الإسرائيلي وحدود استخدام القوة ضد السفن المدنية والمتضامنين الأجانب.
العملية التي انتهت بالاستيلاء على عشرات السفن واعتقال مئات النشطاء، لم تُقرأ فلسطينياً باعتبارها مجرد إجراء أمني إسرائيلي، بل باعتبارها امتداداً لقرصنة وسياسة تهدف إلى منع أي محاولة دولية لكسر العزلة المفروضة على قطاع غزة منذ عام 2007، وفي المقابل، حاولت إسرائيل تقديم العملية على أنها تنفيذ "قانوني" لحصار بحري تعتبره جزءاً من إجراءاتها العسكرية المرتبطة بالحرب المستمرة على القطاع.
وتكشف طريقة التعامل الإسرائيلي مع الأسطول عن حساسية متزايدة لدى "تل أبيب" تجاه التحركات التضامنية الدولية، خصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات العالمية للحرب على غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية داخل القطاع.
فمجرد وصول هذا العدد الكبير من السفن والمتضامنين من دول متعددة إلى مشارف المتوسط الشرقي، شكّل بحد ذاته تحدياً سياسياً وإعلامياً لإسرائيل، حتى قبل وصول أي مساعدات إلى غزة.
اللافت أن الاحتلال لم ينتظر اقتراب السفن من سواحل القطاع، بل تحرك لاعتراضها قرب الجزر اليونانية، وهو ما يعكس رغبة إسرائيلية في فرض "منطقة ردع" واسعة تمنع أي محاولات مستقبلية لكسر الحصار.
كما أن الحديث الإسرائيلي عن "رسائل تحذير" و"استخدام الوسائل المتاحة للاعتراض" يشير إلى أن القرار السياسي كان محسومًا مسبقاً بمنع الأسطول من التقدم مهما كانت التداعيات.
رسائل إسرائيل
وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل معنية بإرسال رسالتين متوازيتين؛ الأولى موجهة للداخل الإسرائيلي بأنها ما تزال تفرض السيطرة الكاملة على البحر المتوسط ومنع أي اختراق للحصار، والثانية موجهة للخارج بأن أي تحرك مشابه سيواجه بالقوة، حتى لو جرى في المياه الدولية.
لكن هذه الرسائل تقابلها مخاطر متزايدة على صورة إسرائيل عالمياً، خصوصاً مع تصاعد الاتهامات بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي.
فالقضية لا تتعلق فقط بمنع سفن من الوصول إلى غزة، بل بطبيعة العملية ذاتها التي جرت بعيداً عن المياه الإقليمية الإسرائيلية، وهو ما يثير جدلاً قانونياً واسعاً حول مشروعية اعتراض سفن مدنية تخضع لولاية دول أخرى.
ويستند منتقدو العملية إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تؤكد حرية الملاحة في المياه الدولية، معتبرين أن الاستيلاء على سفن مدنية لا ينطبق عليه أي استثناء قانوني واضح، خاصة أن الأسطول لم يكن يحمل طابعاً عسكرياً.
كما أن تصريحات خبراء القانون الدولي التي وصفت الاعتراض بأنه "جريمة دولية" تعكس اتجاهاً متنامياً في الأوساط الحقوقية لتوسيع الضغوط القانونية على إسرائيل.
في المقابل، تتمسك "تل أبيب" بروايتها القائمة على اعتبار الحصار البحري "قانونياً"، وأن أي محاولة لاختراقه تُعد خرقاً للقانون الدولي.
غير أن هذه الرواية تواجه تحديات متزايدة، خاصة بعد اتساع الانتقادات الدولية للحصار نفسه، واعتباره أحد أسباب الكارثة الإنسانية التي يعيشها سكان غزة.
ومن الناحية السياسية، يبدو أن "أسطول الصمود" حقق لإسرائيل خسارة في معركة الصورة والرأي العام، حتى وإن نجحت عسكرياً في منع السفن من الوصول إلى القطاع.
فالصور القادمة من البحر، والحديث عن متضامنين عزّل تعرضوا للاعتقال والتشويش والملاحقة، تعزز الرواية الفلسطينية التي تصف غزة بأنها "منطقة محاصرة ومعزولة بالقوة".
كما أن مشاركة نشطاء من دول متعددة تمنح القضية بعداً دولياً أوسع، وتزيد من الحرج الذي تواجهه الحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل، خصوصاً مع تنامي الحركات الشعبية المتضامنة مع الفلسطينيين في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وتأتي هذه التطورات في توقيت شديد الحساسية، إذ تواجه إسرائيل ضغوطاً سياسية وقضائية غير مسبوقة، سواء من خلال التحركات داخل المحكمة الجنائية الدولية أو عبر تصاعد الدعوات الأوروبية لمراجعة العلاقات مع حكومة الاحتلال.
ولذلك، فإن أي حادثة تتعلق باستهداف متضامنين أجانب قد تتحول إلى أزمة دبلوماسية تتجاوز حدود البحر المتوسط.
وفي العمق، يعكس "أسطول الصمود" تحولاً في طبيعة المواجهة المتعلقة بغزة؛ فالمعركة لم تعد مقتصرة على الجانب العسكري، بل أصبحت معركة رواية وصورة ورأي عام عالمي.
وبينما تمتلك إسرائيل التفوق العسكري القادر على منع السفن من الوصول، فإنها تبدو أقل قدرة على منع انتقال مشاهد الحصار والمعاناة إلى العالم.
ولهذا، فإن نجاح الأسطول لا يُقاس فقط بوصوله إلى غزة، بل بقدرته على إعادة تسليط الضوء الدولي على الحصار، وإبقاء الملف الإنساني الفلسطيني حاضراً في المشهد العالمي، وهو ما تخشاه إسرائيل أكثر من أي شحنة مساعدات قد تحملها تلك السفن.
ترتقي لجريمة حرب دولية
في حين اعتبر أستاذ القانون الدولي الدكتور لويجي دانييلي "أن اعتراض سفن مدنية في المياه الدولية يرقى إلى مستوى جريمة دولية.
وذكر أن محكمة العدل الدولية صنفت الحصار الإسرائيلي على غزة بأنه غير قانوني، وأن إعاقة المساعدات الإنسانية تشكل خرقا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
من جهته أكدت المتحدثة باسم الأسطول رنا حميدة أن الأسطول يتحرك وفق المادة 87 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تكفل حرية الملاحة في المياه الدولية.
ومن جهة أخرى، توقعت الناشطة المتضامنة غزلان غزلان أن يتعرض النشطاء لمعاملة غير إنسانية مشابهة لتجارب أساطيل سابقة، شملت اعتداءات جسدية وحرمانا من النوم وإجبارا على التوقيع تحت التهديد.
وأشارت إلى أن كاميرات موجودة على متن القوارب لتوثيق أي انتهاكات قد يرتكبها الجنود الإسرائيليون.
خسارة إسرائيل
أما الخبير بالشؤون الإسرائيلية الدكتور محمود يزبك، فرأى أن إسرائيل تخسر حرب الرواية عالميا، بدليل تحول دعمها من مكسب سياسي إلى عبء على الساسة الأمريكيين.
وأضاف أن الإسرائيليين باتوا يخفون جوازات سفرهم خوفا من نظرة العالم إليهم بسبب الجرائم المرتكبة في غزة.
وخلص إلى أن الأسطول ينجح في تسليط الضوء على الحصار الظالم، وأن الهدف الأساسي هو فتح ممر إنساني آمن لكسر الحصار المفروض منذ سنوات.
الجهاد الاسلامي: حملة "أكاذيب وافتراءات" تروجها حكومة الاحتلال لمحاولة تشويه صورة الحراك التضامن الإنساني
وفي السياق أدانت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بشدة العدوان الذي نفذته بحرية الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم الخميس، ضد "أسطول الصمود العالمي" في المياه الدولية بالقرب من جزيرة كريت، واصفةً العملية بأنها "حلقة جديدة في سجل القرصنة والإرهاب الصهيوني المنظم".
وأوضحت الحركة في بيان صحفي صدر اليوم الخميس، أن الزوارق الحربية التابعة للاحتلال هاجمت سفناً مدنية تقل متضامنين عزّل، واستخدمت ضدهم الأسلحة الرشاشة وأشعة الليزر، وعمدت إلى التشويش على اتصالاتهم قبل اعتقالهم بطريقة مهينة تخالف كافة القوانين والأعراف الدولية.
وأشار البيان إلى أن هذا الاعتداء يتزامن مع حملة "أكاذيب وافتراءات" تروجها حكومة الاحتلال لمحاولة تشويه صورة الحراك التضامن الإنساني، وصبغه بصبغة "الفساد الأخلاقي"، في محاولة بائسة لتبرير الحصار الخانق المفروض على أكثر من مليونين ومائتي ألف فلسطيني في قطاع غزة.
واعتبرت الحركة أن ما تعرض له المتضامنون يمثل "صورة مصغرة" لسياسة البلطجة والعنف التي يمارسها الكيان بحق الشعب الفلسطيني منذ 78 عاماً، مشددة على أن هذا السلوك يعكس مستوى التردي الأخلاقي للاحتلال واستهتاره بالمجتمع الدولي.
وفي ختام بيانها، وجهت حركة الجهاد الإسلامي تحية إجلال وتقدير لجميع المشاركين في "أسطول الصمود" والقائمين عليه، مؤكدة أن إصرارهم على الإبحار رغم التهديدات يمثل "الوجه الحقيقي للإنسانية". كما حذرت من أن هذه الجرائم ستظل تطارد قادة الاحتلال في المحافل الدولية ولن تسقط بالتقادم.
حماس: العدوان الإسرائيلي على "أسطول الصمود" الذي كان متجها لكسر حصار غزة بأنه "هجوم إرهابي وجريمة وعربدة"
أما حركة "حماس" وصفت، العدوان الإسرائيلي على "أسطول الصمود" الذي كان متجها لكسر حصار غزة بأنه "هجوم إرهابي وجريمة وعربدة".
جاء ذلك في بيان للحركة، عقب استيلاء البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية بالبحر المتوسط على 20 سفينة ضمن "أسطول الصمود العالمي"، واعتقال نحو 175 ناشطا.
وقالت الحركة: "ندين بأشد العبارات الهجوم الإرهابي الصهيوني الذي تنفذه بحرية الاحتلال على سفن الأسطول المتجه لقطاع غزة المحاصر، أثناء وجودها قرب سواحل كريت اليونانية".
وأضافت: "هذه القرصنة الصهيونية، وعلى مسافات بعيدة من سواحل غزة، تعد جريمة وعربدة تمارسها حكومة الاحتلال على مرأى ومسمع العالم دون رادع أو محاسبة".
ودعت إلى إدانة الهجوم على النشطاء المدنيين، والتحرك دوليا لإطلاق سراح المحتجزين، وتحميل إسرائيل المسؤولية الكاملة عن سلامتهم.