في الوقت الذي يحتفل فيه العالم، في الثالث من مايو/أيار من كل عام، باليوم العالمي لحرية الصحافة، يعيش الصحفيون الفلسطينيون في قطاع غزة واقعًا مختلفًا تمامًا، حيث تحوّلت الكاميرا إلى هدف، وأصبح الميكروفون سببًا كافيًا للاستهداف، بينما باتت السترة الصحفية علامة قد تقود صاحبها إلى الموت.
منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وجد الصحفي الفلسطيني نفسه في مواجهة واحدة من أكثر البيئات خطورة في العالم. لم تعد مهمته تقتصر على نقل الأخبار وتغطية الأحداث، بل أصبح يعيش تفاصيل المأساة التي يوثقها يوميًا، متنقلًا بين القصف والنزوح وفقدان الأحبة، في محاولة مستمرة لإيصال الحقيقة إلى العالم.
أرقام تكشف حجم الاستهداف
وتشير إحصائيات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي ونقابة الصحفيين الفلسطينيين إلى ارتقاء نحو 262 صحفيًا منذ بداية الحرب، في واحدة من أكثر الفترات دموية بحق الصحفيين في التاريخ الحديث.
كما أُصيب أكثر من 420 صحفيًا بجروح متفاوتة، فيما اعتُقل نحو 50 آخرين، بينما لا يزال 3 صحفيين في عداد المفقودين، وسط مخاوف على مصيرهم.
ولا تقتصر الانتهاكات على القتل والإصابة فقط، بل تمتد لتشمل الاعتقال والاستدعاء والتحقيق، والاعتداء الجسدي، والتهديد المباشر، إلى جانب اقتحام المنازل، والنزوح القسري، فضلًا عن حذف المحتوى الرقمي وحجب الحسابات الإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي.
المؤسسات الإعلامية في مرمى القصف
الاستهداف الإسرائيلي طال كذلك المؤسسات الإعلامية ومكاتب الصحافة ومركبات البث المباشر، إضافة إلى معدات التصوير والأجهزة التقنية، في محاولة لإضعاف التغطية الإعلامية ومنع نقل الرواية الفلسطينية إلى العالم.
الصحفي الفلسطيني قاسم العجل يقول: "نخرج للتغطية ونحن نعلم أننا قد لا نعود. لم تعد القضية مجرد نقل خبر، بل محاولة للنجاة بالحياة. رأيت زملاء يُستهدفون بشكل مباشر، وبعضهم استُشهد وهو يحمل الكاميرا.”
أما الصحفية منار عويضة، التي فقدت منزلها خلال الحرب، فتؤكد أن القصف والنزوح لم يمنعاها من الاستمرار في العمل، قائلة: “نزحت أكثر من مرة، وفقدت معدات العمل، لكنني واصلت التغطية عبر الهاتف المحمول، لأن ما يحدث يجب أن يُوثق".
ويصف الصحفي رائد أبو سرية واقع العمل الصحفي في غزة بقوله: “الصحفي هنا لم يعد مجرد ناقل للحدث، بل أصبح جزءًا منه. نحن لا نغطي الألم فقط، بل نعيشه يوميًا.”
النزوح لا يحمي الصحفيين
ومع تصاعد العمليات العسكرية، اضطر مئات الصحفيين إلى النزوح من منازلهم بحثًا عن أماكن أكثر أمانًا، إلا أن القصف لاحقهم حتى داخل مراكز الإيواء والخيام والمنازل المؤقتة.
وتشير بيانات محلية إلى استشهاد نحو 50 صحفيًا أثناء وجودهم في أماكن النزوح، ما يعكس غياب أي مساحة آمنة للعاملين في القطاع الإعلامي.
الصحفي حسين كرسوع يقول: “حرية الصحافة هنا شبه معدومة في ظل القصف المستمر. نعمل في بيئة شديدة الخطورة، ولا توجد أي ضمانات لحمايتنا. الصحفي قد يُستهدف أثناء التغطية أو حتى داخل منزله.”
ويضيف: “التحدي الأكبر هو الخوف الدائم من الاستهداف، إلى جانب نقص المعدات وانقطاع الكهرباء والإنترنت. أحيانًا نضطر لإرسال الأخبار بوسائل بدائية جدًا.”
ويرى كرسوع أن حجم المعاناة التي يعيشها الصحفيون في غزة لا يصل إلى العالم بالشكل الكافي، مشيرًا إلى وجود فجوة كبيرة بين الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون وما يُنقل خارجيًا.
الصحفيات يواجهن تحديات مضاعفة
من جهتها، تؤكد الصحفية إيمان العجلة أن الصحفيات في غزة يواجهن ظروفًا أكثر تعقيدًا في ظل الحرب، موضحة أن التحديات لا تقتصر على الخطر الأمني فقط، بل تمتد إلى الأعباء الاجتماعية ومسؤوليات الأسرة.
وقالت: “كثير من الزميلات فقدن منازلهن أو أفرادًا من عائلاتهن، ومع ذلك واصلن العمل الميداني.”
وأضافت: “تعرضت للتهديد المباشر أكثر من مرة، كما واجهت مضايقات إلكترونية وحذفًا للمحتوى الذي أنشره، لكننا نؤمن أن نقل الحقيقة واجب، وإذا صمتنا ستُطمس الرواية بالكامل.”
أما الصحفية أسيل مطر، فتؤكد أن النزوح المستمر جعل العمل الصحفي أكثر صعوبة، قائلة: “لا يوجد مكان آمن أو مستقر للعمل، وحتى أبسط مقومات الراحة مفقودة، لكننا نواصل العمل لأن توثيق ما يحدث مسؤولية وطنية وإنسانية.”
الحقيقة تحت النار
تعكس شهادات الصحفيين الفلسطينيين في غزة واقعًا بالغ القسوة، حيث تتداخل المخاطر الأمنية مع المعاناة الإنسانية والتحديات المهنية، في مشهد باتت فيه الصحافة نفسها هدفًا مباشرًا للحرب.
وفي اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يطالب صحفيو غزة سوى بحقهم الطبيعي في العمل بأمان، ونقل الحقيقة دون أن يكون الثمن حياتهم.
ورغم القصف والخوف والنزوح وفقدان الزملاء والأحبة، يواصل الصحفيون الفلسطينيون أداء رسالتهم، مؤمنين بأن الكلمة والصورة قد تكون آخر ما تبقى لحماية الحقيقة من الغياب.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام المجتمع الدولي: "إلى متى سيظل الصحفي في غزة هدفًا للحرب، بدلًا من أن يكون شاهدًا عليها؟"