قائمة الموقع

"ثرثرة" ترامب لا تحجب التخبّط: الاستسلام الإيراني مُتعذِّر

2026-05-04T09:59:00+03:00
2.webp
شمس نيوز -

طهران - وكالات

تكشف خطابات الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وتغريداته، بالإضافة إلى تقارير إعلامية موالية له، عن حالة من «الثقة المطلقة» في أدوات القوة العسكرية والضغط الاقتصادي ضدّ إيران، الرامية إلى انتزاع استسلام إيراني غير مشروط. ففي السردية الرسمية المتكرّرة إلى حدّ التسبّب بالملل، تمتلك الولايات المتحدة «قوة عسكرية هائلة»، وهي تفرض حصاراً بحرياً «لا يُصدَّق»، فيما تُصوَّر إيران طرفاً «يتوق» و»يتوسّل» لعقد اتفاق مذلّ، بعد أن دُمّرت قدراتها العسكرية.

إلا أن نظرة فاحصة إلى الواقع ومعه المواقف الصادرة عن إيران - وهو ما يجد تجلّياً له حتى في تحليلات أميركية وازنة -، تكشف عن انفصام عميق بين الخطاب الرسمي الأميركي وحقيقة المعطيات على الأرض، مثيرةً أسئلة لا تستطيع «سردية الانتصار الترامبية» إيجاد إجابات لها، من مثل: أنه إذا كانت إيران تتوسّل الاستسلام، فلماذا لا تستسلم بالفعل؟ هكذا، ومع اتّساع الفجوة يوماً بعد يوم بين خطاب القوة المطلقة وغياب أثرها السياسي الملموس، يتأكّد تنامي عوارض مرض استراتيجي مزمن لدى الولايات المتحدة، عنوانه الخلط بين القدرة على التدمير والقدرة على تحقيق أهداف سياسية مُستدامة من جراء هذا التدمير. لا بل إنه إذا عجزت القوة عن ترجمة نفسها سياسياً، تتحوّل، مع خصم يرفض الرضوخ، إلى مصدر تعقيد إضافي للصراع، كما هو حاصل الآن.

في الواقع، خاضت أميركا حربها على إيران بدفع ذاتي وتحريض إسرائيلي؛ وهي كانت متيقّنة، وبالأخص ترامب، من أن هذه الحرب ستؤدي إلى استسلام إيران أو سقوط نظامها، خلال ساعات فقط من الضربات الأولى، في تكرار مضاعف للسيناريو الفنزويلي. غير أن النتيجة كانت فشلاً ذريعاً لجهة تحقيق الأهداف، وهو ما وضع واشنطن أمام خيارَين: الانسحاب من الحرب، أو البحث عن بدائل عسكرية وسياسية تعيد الرهان على حصد النتيجة المطلوبة. وإذ اختارت الولايات المتحدة، ابتداءً، توسيع الحرب ومواصلة الضربات العسكرية لأسابيع، فإنه مثلما حصل في الضربات الأولى، وعلى الرغم من الأذية التي ألحقتها الهجمات اللاحقة بإيران، كانت الحصيلة فشلاً متجدّداً وتعميقاً للمأزق، عوضاً عن إيجاد طريق إلى الخروج منه.

وفي حين بدا خيار الانكفاء مع إمكانية صوغ سردية انتصار متوافراً لدى الولايات المتحدة في الأيام الأولى، فإنه مع تعمّق التورّط في الحرب، وتصاعد الردود الإيرانية، وفي المقدمة إغلاق مضيق هرمز، بات هذا الخيار متعذّراً، إلى حدّ أضحت فيه واشنطن أمام سيناريوَين: إمّا الانتصار الكامل، وإمّا الانسحاب المهين والخسارة الاستراتيجية التي تشكّل إذلالاً لرأس القرار. مع ذلك، تراهن الولايات المتحدة، في ظلّ التمديد المتكرّر للهدنة بلا آجال، على إمكانية استسلام إيران نتيجة للحصار الاقتصادي، الذي اجترحه ترامب بعد أن أُعجب بمقال رأي في الإعلام الأميركي يدعو إليه. ويمثّل هذا الرهان، في حقيقته، حبل النجاة الذي خلّصه مؤقتاً من مأزق ثلاثي الأبعاد: لا يريد مواصلة الحرب، ولا يستطيع انتزاع استسلام، وليست لديه خيارات أخرى.

لكن، ماذا بعد هذا الرهان؟ وماذا لو صمدت إيران؟ وماذا لو استمرّ الحصار نفسه في الإضرار بمكانة ترامب داخلياً، في وقت تضيق فيه النافذة الزمنية لتحقيق أيّ نصر قبل الانتخابات الأميركية؟ وهل توجد خيارات أخرى شبيهة بالحصار الاقتصادي تؤدي إلى تجميد مؤقّت للمأزق؟ إلى الآن، ليست ثمة خيارات من هذا النوع، وهو ما قد يضع ترامب أمام خيار القبول بتسوية تراعي الحدّ الأدنى الإيراني وتوفّر مكاسب له، لكنها لن تصمد في الداخل الأميركي حيث الصراع على أشدّه. وعليه، من غير المُرجّح أن يقبل ترامب بذلك السيناريو، لكن في الوقت نفسه، فإن خيار استئناف الحرب سيخلّف نتائج كارثية تجعله غير قابل للتحمّل. والواقع أنه لو كان في يد إدارة ترامب تنفيذ ضربات ذات تأثير هائل تدفع إيران إلى الاستسلام، وفق ما تردّد «جوقة» الرئيس، لما تأخرت في الإقدام عليها، ولما اضطرت إلى تمديد الهدنة من الأساس.

هكذا، تبدو كلّ الخيارات عسيرة أمام إدارة ترامب، وهو ما يجعل أفق الحرب مسدوداً، ويصعّب توقّع ما الذي ستؤول إليه الأمور.

ولا يعود ذلك إلى تعقيد المشهد فحسب، بل أيضاً إلى أن المسار برمّته مُعلّق على قرارات جهة واحدة، أو تحديداً شخص واحد، هو نفسه لا يعرف ماذا سيفعل. ففي ظلّ ضيق الخيارات، قد يكون صانع القرار في واشنطن رهينة اللحظة وضغط الأحداث، حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية بنزوات فرد يصعب التنبؤ بها، ما يجعل الجزم بأيّ سيناريو ضرباً من التنجيم. لكن الأكيد إلى الآن أن أميركا التي دخلت الحرب بحثاً عن نصر سريع، تجد نفسها اليوم في نفق طويل، لا تعرف ما إن كانت ستجد في آخره انتصارها المنشود، أم أنه سيقودها في اتجاه هزيمة كارثية.

اخبار ذات صلة