“ما بدي أطلع برا… هاي عمتي وروحي بدي أمسك إيدها، بس شوي، أمانة عليكم ثواني بس.” بهذه الكلمات أمسك محمود يد عمته نجوى أبو عطيوي، التي كانت تُعد في تلك اللحظات ضمن الشهداء، قبل أن يفاجأ الجميع بحركة غير متوقعة؛ إذ قبضت على يده بقوة، في إشارة واضحة إلى أنها لا تزال على قيد الحياة.
على إثر ذلك، صرخ محمود: "عمتي عايشة، والله عايشة يا دكتور، تعالوا أنقذوها، أمانة!"، لتبدأ لحظات ارتباك داخل الطاقم الطبي، قبل أن تُستعاد المؤشرات الحيوية لنجوى تدريجياً، وسط دهشة الحاضرين، حيث علّقت إحدى الممرضات: “يا الله… رحيم بعباده، لقد عادت للحياة مرة أخرى".
في تلك اللحظات، كانت نجوى بين الحياة والموت، بعد أن كادت إجراءات الدفن تُستكمل باعتبارها متوفاة، قبل أن يتبين أن جسدها ما زال يتمسك بخيط رفيع من الحياة، لتبدأ رحلة إنقاذ عاجلة أعادت لها فرصة النجاة.
ولم تكن والدة نجوى على علم بما حدث، إذ حضرت إلى المستشفى منهارة لرؤية ابنتها للمرة الأخيرة، قبل أن تتفاجأ بوجودها على قيد الحياة، ما أدخلها في حالة صدمة وبكاء شديد، وهي تصرخ: "أنا أمها… بدي أشوفها!"، قبل أن يُسمح لها بالدخول بعد تأكيد الطاقم الطبي أن الحالة لا تزال حية.
على سرير العلاج، كانت نجوى موصولة بعدة أجهزة طبية، فيما يواصل الأطباء محاولات الإنعاش والاستقرار، تمهيداً لإدخالها إلى غرفة العمليات.
في غزة، حيث تتقاطع الحياة والموت في لحظة واحدة، تتكرر القصص الإنسانية التي تتجاوز حدود المنطق. وقصة نجوى أبو عطيوي ليست استثناءً، بل شهادة موجعة على واقع مدينة تعيش تحت القصف والركام.
تعود تفاصيل القصة إلى لحظة قصف استهدف منزل العائلة عند أذان الفجر بتاريخ 11-9-2024، حيث تقول نجوى: "ما حسّينا إلا والدنيا انقلبت فوقنا".
في لحظات، تحول المنزل إلى ركام، وسقط عدد من أفراد العائلة بين شهيد وجريح، إذ استُشهدت طفلتها ذات الستة أعوام، وحماتها، وشقيقة زوجها، وزوج ابنة عمها، فيما أُصيب أبناؤها بجراح مختلفة.
بين الحياة والموت
نُقلت نجوى إلى المستشفى وهي في حالة حرجة جداً، حتى اعتُقد أنها فارقت الحياة، ووُضعت مع الشهداء، لكنها تحركت حركة بسيطة بيدها كانت كفيلة بتغيير مجرى القصة بالكامل.
حينها انتبه ابن أخيها محمود، وصرخ: "عمتي فيها نفس… عمتي عايشة!، وبعد التأكد، أعاد الطاقم الطبي تقييم حالتها، ليبدأ تدخل عاجل لإنقاذها.
عملية معقدة استمرت ساعات
خضعت نجوى لعملية جراحية معقدة استمرت نحو 9 ساعات، نتيجة إصابات خطيرة شملت تهتكاً في الوجه، كسوراً متعددة، إصابة شديدة في العين، ونزيفاً داخلياً حاداً.
ورغم خطورة الوضع، وُصفت حالتها في البداية بأنها "شبه ميؤوس منها"، بينما ظل ذووها على أبواب غرفة العمليات في حالة من الدعاء والترقب.
تقول إحدى القريبات: "قالوا ما في أمل… لكن كنا ندعي ونقول يا رب بس تعيش".
شهر في العناية المركزة
مكثت نجوى قرابة شهر في العناية المركزة بين الغيبوبة والوعي، قبل أن تبدأ تدريجياً باستعادة إدراكها، وتروي: "لما وعيت، ما كنت فاهمة شو صار… كنت أسأل عن عيني ووجهي وأهلي".
لكن الصدمة الأكبر كانت عندما علمت باستشهاد طفلتها وعدد من أفراد عائلتها.
وتقول: "قالوا لي ربنا اصطفاها… رضيت، بس الوجع ما بيفارق القلب".
معركة أخرى لإنقاذ العين
لم تنتهِ معاناتها عند هذا الحد، إذ واجهت خطر فقدان إحدى عينيها نتيجة نزيف حاد، ما استدعى متابعة طبية دقيقة.
وبعد أيام من القلق، جاء الخبر المطمئن: “النزيف توقف… حالة مستقرة”، وفق ما أبلغه الأطباء لعائلتها.
يقول ابن أخيها محمود: "شفت إيدها تتحرك… والله لو ما انتبهت كان دفنوها. هذا اليوم ما بنساه"، ويضيف زوجها: "خسرت بنتي وأهلي… لكن ربنا عوضني فيها. وجودها معجزة".
فيما تقول إحدى قريباتها: "نجوى ما نجت بس… هي رجعت من الموت. صارت قصة أمل لكل الناس".
قصة نجوى أبو عطيوي ليست مجرد نجاة من تحت الركام، بل شهادة إنسانية على هشاشة الحياة وقوة الأمل في أصعب الظروف. بين إعلان وفاتها وعودتها إلى الحياة، تتجسد حكاية تختصر واقع غزة، حيث قد تُكتب النهاية في لحظة، وقد تولد الحياة من قلب الموت في اللحظة التالية.