قائمة الموقع

الناجي الوحيد.. محمود الزربة وحياة معلّقة بين الفقد والأمل

2026-05-06T21:40:00+03:00
محمود الزربة فقد بصره
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في الحروب، لا تُختصر المأساة بعدد الضحايا فقط، بل بما تتركه من ندوب عميقة في أرواح الناجين، فهناك من يخرج حيًا من تحت الركام، لكنه يحمل داخله خسائر لا تُرى؛ ذاكرة مثقلة بالمشاهد القاسية، وجسدًا أنهكته الإصابة، وحياة لم تعد كما كانت.

في قطاع غزة، تتكرر قصص الفقد يوميًا، لكن بعض الحكايات تبقى أكثر التصاقًا بالوجدان، لأنها تختزل حجم المعاناة الإنسانية في تفاصيل شخص واحد، من بين هذه الحكايات، تبرز قصة محمود الزربة، الرجل الذي نجا من الموت، لكنه وجد نفسه في مواجهة سلسلة طويلة من الخسارات والآلام.

محمود، البالغ من العمر 36 عامًا، لم يفقد أصدقاءه وأفرادًا من عائلته فحسب، بل فقد أيضًا بصره، ليصبح يومه معركة مستمرة من أجل البقاء ورعاية أسرته في ظروف إنسانية قاسية.

لحظة غيّرت كل شيء

يروي محمود أن حياته انقسمت إلى ما قبل الانفجار وما بعده، ففي إحدى الليالي، كان مستلقيًا إلى جانب صديقه عزب علي، رفيق طفولته، في لحظة بدت عادية تمامًا، قبل أن يتحول كل شيء خلال ثوانٍ إلى مشهد من الدمار.

انفجار عنيف، وغبار كثيف، وصمت ثقيل أعقب الصدمة. وعندما استعاد وعيه، اكتشف أن صديقه استشهد، إلى جانب خمسة من أصدقائه الذين نشأ معهم. ومن بين المجموعة، كان هو الناجي الوحيد.

لم تكن النجاة بالنسبة له نهاية المأساة، بل بداية رحلة جديدة من الألم والمعاناة.

إصابات قاسية ونجاة مؤلمة

بعد الانفجار، وصل شقيقه إليه وحمله محاولًا إنقاذه رغم خطورة المكان. وبينما كان يطمئنه بكلمات بسيطة، كان محمود يعاني إصابات بالغة؛ حروق وإصابات في الظهر والساق، إضافة إلى فقدان عدد من أصابع قدمه.

ومع اشتداد الألم وصعوبة التنفس، طلب من شقيقه أن يضعه أرضًا لعدم قدرته على الاحتمال. وبعد نقله إلى المستشفى، بدأت رحلة علاج طويلة، لكنها لم تنهِ معاناته.

خسارات متتالية

لم تتوقف المأساة عند فقد الأصدقاء والإصابة الجسدية. فالشقيق الذي ساعد في إنقاذه استشهد لاحقًا، بينما توفي والده خلال وجوده في مصر، في وقت بقيت فيه والدته عالقة خارج القطاع.

وجد محمود نفسه محاطًا بالوحدة، بعدما فقد الأشخاص الذين كانوا يشكلون مصدر الدعم والسند في حياته.

عالم بلا بصر

إحدى أقسى نتائج الإصابة كانت فقدانه الكامل للبصر. لم يعد قادرًا على رؤية وجوه بناته أو ملامح زوجته، ولا حتى تفاصيل حياته اليومية التي كانت يومًا بسيطة وعادية.

وباتت أبسط المهام تشكل تحديًا يوميًا؛ الحركة، والحصول على الماء والطعام، والتنقل داخل المخيم، جميعها تحولت إلى معاناة مستمرة.

معركة يومية من أجل الحياة

يعيش محمود مع أسرته في خيمة تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة. وفي ظل الظروف الإنسانية الصعبة، أصبح الحصول على الماء والطعام مهمة شاقة، خصوصًا مع إعاقته البصرية وعدم قدرته على الوصول بسهولة إلى مراكز توزيع المساعدات.

ويقول مقربون منه إن زوجته تتحمل الجزء الأكبر من أعباء الحياة اليومية، إذ تخرج بحثًا عن المساعدات رغم المخاطر، أملاً في تأمين احتياجات أطفالها الأساسية.

آثار نفسية متفاقمة

إلى جانب معاناته الجسدية، يواجه محمود آثارًا نفسية قاسية نتيجة ما عاشه من فقد وإصابة ونزوح. ويعاني من حالات اختناق وضيق تنفس، خاصة في الأماكن المغلقة أو المزدحمة، في ظل استمرار الضغوط اليومية وصعوبة الظروف المحيطة.

ورغم كل ذلك، يحاول التمسك بالحياة من أجل أطفاله، مستمدًا بعض القوة من إيمانه ورغبته في حماية أسرته.

حلم بسيط

اليوم، لا يطلب محمود أكثر من فرصة للعلاج واستعادة جزء من حياته الطبيعية. يحلم بأن يستعيد بصره يومًا ما، وأن يتمكن مجددًا من رؤية بناته والعيش بكرامة بعيدًا عن الخوف والعوز.

قصة محمود الزربة ليست مجرد حكاية فردية، بل صورة تعكس واقع آلاف الجرحى والناجين في غزة، ممن يواصلون حياتهم وسط خسارات متراكمة وظروف إنسانية بالغة القسوة.

ورغم كل ما مرّ به، ما يزال محمود يتمسك بالأمل، منتظرًا لحظة قد تفتح له بابًا جديدًا نحو العلاج والحياة.

اخبار ذات صلة