قائمة الموقع

هل يكون بن غفير ملك إسرائيل القادم؟

2026-05-08T10:57:00+03:00
بن غفير.jpg
بقلم الكاتب: عبد الله معروف

لا يكاد يمر يوم واحد دون أن يتحفنا وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير بإحدى تقليعاته التي باتت حديث الإعلام بما يشبه الوضع الذي كان عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال حملاته الانتخابية.

وهذا ليس غريبا على رجل أتقن فن التعامل مع الإعلام الجديد حتى بات يسمى في الأوساط الإسرائيلية "وزير التيك توك"؛ لكثرة مقاطع الفيديو والصور الجدلية التي يحرض على بثها بشكل كثيف على وسائل التواصل الاجتماعي.

بالرغم من أن إحدى أكثر تقليعات بن غفير الأخيرة تناولا في الإعلام ظهوره في حفلة عيد ميلاده الخمسين وقد أهدته زوجته كعكة رُسمت عليها صورة حبل مشنقة، ثم ظهوره في فيديو نائما يحلم بأشياء كثيرة منها خضراوات وفواكه وحلويات وأدوات مطبخ وغير ذلك، وكلها تظهر مرسومة على شكل حبل مشنقة أيضا.

بيد أن خبرا واحدا استدعى انتباهي بشكل لافت؛ وهو حصول إيتمار بن غفير على فتوى خاصة من الحاخام دوف ليئور، وهو المرجعية الدينية لحزب "العظمة اليهودية" الذي يتزعمه بن غفير، تسمح له بالدخول إلى جميع المناطق داخل المسجد الأقصى المبارك بما فيها الأماكن التي لا تجيز المرجعيات الدينية لتيار الصهيونية الدينية نفسه الدخول إليها.

وكانت حجة الحاخام ليئور في فتواه هو ضرورة إظهار "السيادة الإسرائيلية" على المكان عبر وجود وزير رسمي في كافة أجزائه.

لمن لا يعلم أبعاد هذه الفتوى الفريدة من نوعها؛ فإن المبدأ الذي تسير عليه المرجعيات الدينية الحريدية التقليدية ابتداء هو تحريم دخول منطقة المسجد الأقصى بالكامل، وهو الموقف الذي تتخذه وما زالت تصر عليه الحاخامية الرسمية لإسرائيل.

وذلك بسبب غياب شرط "الطهارة" من "نجاسة الموتى" التي تنجم عن لمس الشخص الميت، الذي يصبح نجسا عند وفاته حسب الشريعة اليهودية ، ولا يمكن التطهر من هذه النجاسة إلا برماد بقرة حمراء ضمن طقوس معينة، وقد ذكرناها- وبحث الكثيرون فيها- غير مرة.

 

لكن المرجعيات الدينية لتيار الصهيونية الذي يمثل في أغلبيته مستوطني الضفة الغربية، أسسوا لأنفسهم مجلسا يسمى "مجلس السنهدرين الجديد"، وخرج عن فتوى الحاخامية الرسمية ليقول بجواز دخول المستوطنين إلى المسجد الأقصى المبارك بشروط خاصة قبل حصول شرط التطهر برماد البقرة الحمراء المنتظرة.

وذلك ضمن ضوابط صارمة حددها هؤلاء الحاخامات، ويزعمون في فتواهم أن الهدف منها هو ضرورة إثبات الوجود اليهودي داخل الأقصى ابتداء؛ لكي يكون هناك قدرة مستقبلا على السيطرة على المسجد بعد تكثيف وجود المستوطنين فيه، وتحويل المكان إلى مقدس مشترك على الأقل بقوة الأمر الواقع.

وهي نظرية يقدمها غيرُ واحد من هؤلاء الحاخامات مثل "يهودا غليك" الزعيم الروحي وعراب اقتحامات المسجد الأقصى، و"أليشاع وولفسون" الذي نصب نفسه حاخاما لما يسمى "مدرسة جبل المعبد الدينية" التي تتخذ من المسجد الأقصى مقرا رسميا لها، وغيرهما.

غير أن واحدا من أهم الشروط التي وضعها هؤلاء الحاخامات لأبناء تيار الصهيونية الدينية الراغبين في كسر قرار الحاخامية الرسمية التقليدية واقتحام المسجد الأقصى، هو أن يكون ذلك ضمن مسار محدد لا يتجاوزونه، وأن يكون هذا المسار فقط في الساحات السفلية للمسجد الأقصى المبارك، على نفس مستوى الجامع القبلي فقط، وعدم صعود ساحة الصخرة المشرفة، وبالذات عدم دخول قبة الصخرة.

ويرجع ذلك في الرؤية الدينية اليهودية إلى عدة اعتبارات: أولها أن المراجع الدينية تؤمن بأن ما يسمى "تابوت العهد" الذي يحتوي ألواح التوراة الأصلية مدفون في مكان ما في ساحة قبة الصخرة منذ عهد نبوخذ نصر البابلي عام 586 قبل الميلاد، أي منذ 2600 عام.

وبالتالي فلا يجوز دخول هذه الساحة خوفا من أن يمر أحدهم بالخطأ فوق التوراة.

والاعتبار الثاني الأكثر أهمية هو أن القدسية في الديانة اليهودية تُبنى على فكرة الاستبعاد؛ فكلما زادت قدسية المكان، سُمح لعدد أقل من الناس بالوصول إليه، حتى نصل إلى أقدس موقع في الرؤية الدينية اليهودية وهو الصخرة، التي تسمى لدى المرجعيات الدينية اليهودية "قدس الأقداس"، وذلك لأنها المكان الذي أراد إبراهيم أن يذبح فوقه ابنه إسحاق حسب النصوص الدينية اليهودية (بعكس الإسلام الذي يقول إن الذبيح إسماعيل والمكان مكة).

وهذا الموقع حسب الشريعة اليهودية لا يجوز لأحد دخوله إلا الحاخام الأكبر فقط، وفي يوم واحد في السنة فقط هو يوم الغفران.

بناء على هذه المعطيات، فإن إصدار فتوى خاصة لإيتمار بن غفير بدخول كافة مناطق المسجد الأقصى دون تحديد يعني أنه صار بإمكانه- بتكليف إلهي- الوصول حيث لم يصل أحد من أتباعه من قبل، أي إلى قلب قبة الصخرة المشرفة، وهذا بالنسبة لـ"بن غفير" يعتبر قيمة دينية عليا سيستغلها يقينا في الانتخابات القادمة في شهر أكتوبر/تشرين الأول لتصدير نفسه زعيما ملهما وشديد الخصوصية.

وهو ما يشبه إلى حد بعيد الصورة الذهنية التي يحاول دونالد ترمب أن يصور نفسه عليها، والتي نجحت إلى حد ما في جذب الجمهور المتدين إليه باعتباره يمثل التجسيد الأعظم للرجل المؤيد من القوى الروحانية العلوية.

 

إذن، نستنتج من ذلك أن إيتمار بن غفير يسعى من خلال كل ذلك إلى أن يقدم نفسه زعيما لا لتيار الصهيونية الدينية فقط، وإنما لليمين كله في إسرائيل، وبالتالي لإسرائيل نفسها.

وهناك شواهد كثيرة تدل على هذه النية لديه. فتركيزه الشديد على تذكير الجمهور الإسرائيلي دائما بنجاحه في تمرير قانون إعدام الأسرى كما وعد، واقتحاماته المتوالية للمسجد الأقصى، وإعلانه قرار السماح بأداء الطقوس الدينية اليهودية علنا فيه، والآن تنصيب نفسه شخصية مختارة دينيا للقيام بما لا يجوز لأي يهودي على وجه الأرض أن يقوم به من خلال تمكينه من دخول جميع أنحاء المسجد الأقصى.

كل هذه الأمور تعتبر فواتير يسددها بن غفير الآن ليقدم سجلا حافلا أمام الجمهور الإسرائيلي بعامة في الانتخابات القادمة تجعل منه شخصية "سوبرمان" القادر على فعل ما لم يفعله أحد.

ولعله يسترشد في ذلك بخطوات أرييل شارون الذي قدم نفسه للجمهور الإسرائيلي قبيل الانتخابات قبل ستة وعشرين عاما باقتحام المسجد الأقصى الذي لم يكن أي سياسي إسرائيلي يجرؤ عليه، فكافأة الجمهور الإسرائيلي بتسليمه قيادة الدولة ورئاسة الحكومة الإسرائيلية في انتخابات فبراير/شباط 2001.

هكذا يعمل بن غفير، وقد يستبعد البعض أن يتمكن شخص لا يتملك حزبه حاليا أكثر من خمسة مقاعد في الكنيست من حصد أصوات تؤهله لرئاسة الحكومة، لكن ينبغي أن نعلم هنا أن بن غفير لم يعد يمثل حزبه الصغير فقط، بل أصبح يمثل تيارا متصاعدا من أقصى اليمين الديني الذي يجتاح العالم لا إسرائيل فقط، وهو التيار الذي أخرج لنا شخصيات شديدة الجدلية لم يكن أحد يتخيل أن تنجح يوما في استلام الحكم مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والرئيس الأرجنتيني المثير للجدل خافيير ميلي.

ويبدو أن تصاعد اليمينية الدينية في إسرائيل أصبح أمرا واقعا يجب الانتباه إلى آثاره، وعدم استغراب أي مدى يمكن أن يصل إليه.

ما لم يتم وقفه بقوة ما تبقى من منظومة الدولة العميقة التي ما زالت تقاوم التغيير في إسرائيل، فإن بن غفير سيحاول على الأرجح في الفترة القادمة القيام بخطوات أشد راديكالية في الملف الأكثر حساسية لديه وهو المسجد الأقصى.

فقد نراه يدخل بالفعل الجامع القبلي وقبة الصخرة المشرفة ويحرص على تصوير نفسه الراعي الديني الأول في المنطقتين، وقد نراه يفتح المسجد للمستوطنين هذا الشهر في أشد الأيام حساسية، كيوم الجمعة 15 مايو/أيار الذي يوافق ذكرى النكبة الفلسطينية، وفي نفس الوقت ذكرى ما يسمى "يوم القدس"، الذي يوافق ذكرى استكمال احتلال القسم الشرقي من القدس بالتقويم العبري.

ويقدم ذلك باعتباره استجابة "ديمقراطية" لمطالب قدمها 3 وزراء من الليكود و10 أعضاء كنيست من الليكود والصهيونية الدينية لتمكين المستوطنين من تجاوز منع الاقتحامات يوم الجمعة وإدخالهم للمسجد الأقصى، كما سبق وفعل نتنياهو عام 2019، عندما تجاوز كافة الأعراف وكذب على الفلسطينيين وأدخل المستوطنين إلى المسجد في يوم عيد الأضحى المبارك؛ احتفاء بما يسمى "ذكرى خراب المعبد" بعد أن خرج المصلون المسلمون فورا.

بل قد نرى بن غفير في الشهور القليلة القادمة يوافق على إدخال المستوطنين أدوات وطاولات وكراسي إلى المسجد الأقصى ليغير واقعه والوضع الراهن فيه تماما ويقلب الأوضاع فيه بالكامل، ثم يقدم هذه "الإنجازات" أمام الجمهور الإسرائيلي في الانتخابات القادمة معيارا لتنصيب نفسه ملكا جديدا لإسرائيل بدلا من نتنياهو الذي تتآكل سفينته شيئا فشيئا مع اندماج الأحزاب اليمينية المناوئة له استعدادا لتوجيه ضربة قاضية له في الانتخابات القادمة.

إيتمار بن غفير شخص لا يمتلك غير رؤية دينية وخبرة في الشعبويات، ولا يمتلك رؤية أو حتى حنكة سياسية، ولكن معايير الشعبويات وخرافات التأييد الإلهي والمسيحانية أصبحت اليوم قادرة كما يبدو على جعله شخصا ذا شعبية لدى جمهور لم يعد يؤمن بغير الحرب والإبادة لكل ما حوله، ولا يرى غير ذلك سبيلا لكي يعيش.

فهل يدرك ساستنا ومفكرونا ما نحن مقبلون عليه إلا لو حصلت معجزة أطاحت بـ"بن غفير" وأمثاله قبل أن يستفحل أمرهم أكثر ويذهبوا بالعالم إلى الهاوية؟

اخبار ذات صلة