عاد فيروس هانتا إلى واجهة الاهتمام العالمي بعد تسجيل حالات وفاة وإصابات على متن السفينة السياحية الهولندية إم في هونديوس، في حادثة أعادت إلى الأذهان أجواء القلق التي صاحبت بدايات جائحة كورونا، خاصة مع بدء عمليات تعقب واسعة للمخالطين في عدة دول.
ورغم المخاوف التي أثارتها الواقعة، يؤكد خبراء الصحة العامة ومنظمة الصحة العالمية أن الوضع الحالي لا يشير إلى خطر جائحة عالمية جديدة، مشددين على أن طبيعة انتقال فيروس هانتا تختلف جذريا عن فيروس كورونا.
ما هو فيروس هانتا؟
فيروس هانتا هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساسا عبر القوارض، خصوصا من خلال ملامسة بولها أو لعابها أو فضلاتها، أو استنشاق جزيئات ملوثة في الهواء.
ويصيب الفيروس الإنسان بأمراض خطيرة قد تؤثر على الرئتين أو الكلى، وتختلف طبيعة المرض بحسب نوع السلالة والمنطقة الجغرافية.
ويعد “فيروس الأنديز” السلالة الأكثر إثارة للقلق، لأنه النوع الوحيد المعروف حتى الآن القادر على الانتقال بين البشر، وإن كان ذلك بشكل محدود للغاية ويتطلب احتكاكا مباشرا وطويلا.
كيف ينتقل الفيروس؟
ينتقل فيروس هانتا عن طريق: “استنشاق هواء ملوث بفضلات أو بول القوارض، أو لمس أسطح ملوثة ثم لمس الفم أو الأنف، أو التعرض المباشر للقوارض المصابة، وفي حالات نادرة، عبر العَضّات”.
أما انتقال العدوى بين البشر، فهو محدود جدا مقارنة بفيروسات الجهاز التنفسي الأخرى، ويحدث غالبا بين أفراد الأسرة الواحدة أو الطواقم الطبية التي تتعامل مع المرضى لفترات طويلة ومن دون حماية كافية.
وأكدت مسؤولة الأوبئة في منظمة الصحة العالمية ماريا فان كيركوف أن “هذا ليس كوفيد، وليس إنفلونزا”، في إشارة إلى اختلاف نمط انتشار الفيروس.
ما أعراض الإصابة؟
تظهر أعراض فيروس هانتا عادة بعد فترة حضانة تمتد من أسبوع إلى ثمانية أسابيع من التعرض للفيروس.
وتبدأ الأعراض بشكل يشبه الإنفلونزا، وتشمل: “الحمى – الإرهاق الشديد – آلام العضلات – الصداع – الدوار – الغثيان – آلام البطن”.
لكن الخطورة تكمن في تطور الحالة بسرعة لدى بعض المصابين إلى صعوبات تنفسية حادة نتيجة تراكم السوائل في الرئتين، وهي الحالة المعروفة باسم “متلازمة هانتا القلبية الرئوية”.
وقد تتطلب الحالات المتقدمة إدخال المريض إلى العناية المركزة واستخدام أجهزة التنفس الصناعي.
هل الفيروس قاتل؟
تختلف نسبة الوفيات بحسب نوع السلالة وجودة الرعاية الصحية المتاحة، لكنها قد تتراوح بين 20 و40 بالمئة، فيما تشير بعض الدراسات إلى أن معدل الوفاة في متلازمة هانتا الرئوية قد يصل إلى نحو 38 بالمئة.
ورغم ارتفاع معدل الخطورة، فإن عدد الإصابات البشرية لا يزال منخفضا نسبيا عالميا مقارنة بالأوبئة واسعة الانتشار.
لماذا لا يُعد هانتا “كورونا جديدا”؟
يرى خبراء الصحة أن المقارنة بين فيروس هانتا وكوفيد-19 ليست دقيقة لعدة أسباب، أبرزها:
فيروس هانتا لا ينتشر بسهولة عبر الهواء بين البشر.
يحتاج الانتقال البشري إلى احتكاك وثيق ومطول.
العدوى البشرية نادرة نسبيا.
لا توجد دلائل على انتقال واسع داخل المجتمعات.
وقال كارلوس ديل ريو “إن معظم أنواع هانتا “لا تنتقل بسهولة بين البشر”، لكنه أشار إلى أن العلماء ما زالوا يدرسون طبيعة الفيروس وسلوك بعض سلالاته”.
هل يوجد علاج أو لقاح؟
حتى الآن، لا يوجد لقاح معتمد أو علاج نوعي مباشر ضد فيروس هانتا.
ويعتمد العلاج الحالي على: “الرعاية الداعمة، والمراقبة الطبية المكثفة، ودعم التنفس والأكسجين، وعلاج المضاعفات في العناية المركزة”.
في حين تجري موديرنا أبحاثا أولية لتطوير لقاح محتمل بالتعاون مع مؤسسات بحثية أمريكية، لكن المشروع لا يزال في مراحله المبكرة.
كيف يمكن الوقاية من الفيروس؟
ينصح خبراء الصحة باتباع إجراءات وقائية تقلل من التعرض للقوارض، أبرزها:
تنظيف الأماكن المغلقة بطريقة آمنة.
ارتداء الكمامات والقفازات عند التعامل مع أماكن قد تكون ملوثة.
تجنب إثارة الغبار في الأماكن المهجورة.
حفظ الطعام بإحكام.
مكافحة القوارض داخل المنازل والمخازن.
كما يُوصى بعدم لمس القوارض النافقة مباشرة، وطلب المساعدة من الجهات المختصة للتخلص منها.
ماذا حدث على متن السفينة الهولندية؟
أثار تفشي الفيروس على متن السفينة “إم في هونديوس” حالة استنفار صحي دولية بعد تسجيل وفيات وإصابات بين الركاب، ما دفع السلطات إلى فرض العزل داخل المقصورات، وبدء عمليات تعقيم واسعة، إلى جانب تتبع المخالطين في دول عدة.
وأرسلت منظمة الصحة العالمية فريقا من الخبراء إلى السفينة خلال توقفها في الرأس الأخضر، بالتعاون مع خبراء أوروبيين وهولنديين، بهدف تقييم الوضع ووضع آليات آمنة لإنزال الركاب والطاقم.
كما بدأت دول عدة، بينها الولايات المتحدة وفرنسا وهولندا، مراقبة الركاب الذين غادروا الرحلة أو خالطوا المصابين.
لماذا تثير السفن السياحية القلق الصحي؟
تشكل السفن السياحية بيئة مناسبة نسبيا لانتشار الأمراض المعدية بسبب: “الاكتظاظ، واستخدام المرافق المشتركة، وطول مدة الرحلات، وصعوبة العزل السريع”.
وقد سبق أن تحولت سفن سياحية خلال جائحة كورونا إلى بؤر تفشٍ كبيرة، وهو ما يفسر القلق العالمي من أي عدوى تظهر على متنها.
هل العالم أمام تهديد جديد؟
حتى الآن، تؤكد الجهات الصحية الدولية أن خطر انتشار فيروس هانتا على نطاق عالمي لا يزال منخفضا، لكن الواقعة سلطت الضوء مجددا على أهمية أنظمة المراقبة الصحية والتنسيق الدولي في مواجهة الأمراض الناشئة.
وشدد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس على أن مواجهة الأوبئة تتطلب تعاونا دوليا، قائلا إن “الفيروسات لا تهتم بالسياسة ولا بالحدود”.