بدّد سكونَ ليل مخيم الشاطئ اتصالٌ هاتفي من ضابط مخابرات إسرائيلي، يطلب فيه من سكان مربّع سكني بأكمله إخلاء منازلهم تمهيداً لقصف أحدها. وفيما كانت المئات من الأسر تهرع إلى الشوارع وتفترش الأرصفة لساعات، عادت إلى الذاكرة مشاهد سياسة الإخلاءات الجماعية التي رافقت الغزيّين طوال عامَي الحرب، ليُسمع مع انتصاف ليل الجمعة - السبت، دويّ انفجار عنيف، وصل صداه إلى المنطقة الوسطى من القطاع، ثمّ أعقبه دويّ هدير الطائرات الحربية الإسرائيلية.
واستهدف القصف منزلاً مكوناً من أربع طبقات، يتطلّب الوصول إليه العبور من أزقة ضيقة لا يتجاوز عرض الواحد منها متراً واحداً، وتحيط به عشرات المنازل المتلاصقة التي لا تفصل بعضها عن البعض الآخر مسافة تُذكر. وكان واضحاً من الخراب الذي خلّفته الغارة، استخدام قنابل ذات قدرة تدميرية أكبر بكثير ممّا يحتاجه منزل لا تتجاوز مساحته 120 متراً مربعاً؛ إذ لم يقتصر الضرر على المكان المستهدف فحسب، إنما طاول أكثر من عشرين منزلاً مجاوراً، تعرض إلى أضرار جزئية أو كلية، جعلت كل منزل من هذه المنازل غير صالح للسكن.
إزاء ذلك، بدا الوجوم واضحاً في ملامح الناس التي تنطق بما يجول في أذهانهم. ومن بين هؤلاء، يقول أبو محمد مطر: «كأننا عدنا إلى مربع الحرب الأول»، مضيفاً، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «الحرب لم تنتهِ. خطوة بعد خطوة تتدرّج إسرائيل في استعادة كامل فصول الإبادة». ويلفت إلى أن «القصف بالطائرات المسيّرة لم يتوقف يوماً واحداً، واليوم تعود سياسة الإخلاء وتدمير المربعات السكنية إلى سيرتها الأولى». أما سمير الخالدي، وهو أحد سكان المنازل الملاصقة للمبنى المستهدف، فيقول، لـ«الأخبار»: «قبل دقائق فقط كنّا نعيش بأمان داخل منزلنا، والآن أصبحنا بلا مأوى نفكّر كيف نوفّر وسادة أو غطاء».
وبعد ساعات من الغارة، سرت إشاعات عن تهديد منازل أخرى بالإخلاء في مناطق مختلفة من القطاع، لتعيش غزة كلّها أجواء الحرب من جديد. وقبل أن يتبيّن لاحقاً عدم صحّة تلك الإشاعات التي كان مصدرها عملاء جيش الاحتلال، زعم الأخير أن المنزل المستهدف في مخيم الشاطئ كان يُستخدم كمخزن لتصنيع الوسائل القتالية والعبوات الناسفة من قبل حركة «الجهاد الإسلامي».
بالتوازي، تصاعدت وتيرة استهداف عناصر القوى الأمنية، بعدما تحوّلت هذه العمليات من حوادث تتكرّر مرتين أسبوعياً إلى سلوك يومي. وصباح أمس، اغتال جيش الاحتلال وسام عبد الهادي، وهو مسؤول جهاز «المباحث العامة» في الشرطة، في غارة استهدفت سيارته في حيّ الأمل في مدينة خانيونس. وكان العدو قصف، في ساعة مبكرة من فجر اليوم نفسه، نقطة أمنية عند مدخل مخيم المغازي، إضافة إلى قصف عنصر أمني في مخيم جباليا شمالي القطاع.
وفي تعليقها على هذه التطورات، قالت حركة «حماس»، في تصريح صحافي، إن «استمرار استهداف الاحتلال الصهيوني المجرم للمنظومة الشرطية في قطاع غزة هو استمرار لجريمة الإبادة التي لم تتوقف بحق الشعب الفلسطيني». وإذ لفتت إلى أن تلك الجرائم أدت إلى استشهاد 850 مواطناً منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من تشرين الثاني من العام الماضي، فهي طالبت المجتمع الدولي والوسطاء والضامنين بوقف جرائم الاحتلال. أمّا على الصعيد السياسي، فقد ذكرت مصادر مطلعة، في حديثها إلى «الأخبار»، أن الوسطاء يضغطون على دولة الاحتلال للسماح بدخول اللجنة الإدارية إلى قطاع غزة للبدء بممارسة عملها قبل حلول عيد الأضحى هذا الشهر، لكن أيّاً من المعطيات على الأرض لا ينبئ بإمكانية تحقّق ذلك.
المصدر: الأخبار اللبنانية
