قائمة الموقع

ما بين العاطفة والعقلانية.. مواقف إسلامية تفند عاطفية العامة وتعلي مسئولية القائد

2026-05-12T18:39:00+03:00
سفيان صيام
بقلم/ سفيان صيام

قد يرى بعض المخلصين أصحاب العواطف الجياشة أن المواقف يحكم عليها بمقياس أخلاقي يقوم على ثنائية الحق والباطل، أو الصواب والخطأ، وأن القرارات يحكم عليها في ذات السياق، غير أن النظرة الموضوعية العقلانية المسئولية تدرك تماما أن هذا الأمر مع الأسف غير دقيق، ولئن صح ذلك أخلاقيا ومثاليا، فإنه لا يصح مطلقا واقعيا أو سياسيا، وسأروي في هذا المقام قصصا لثلاثة مواقف ذكرت في الأثر الإسلامي، كان فيها تعارض في الحكم على الأشياء بين العاطفة والمسئولية العقلانية.

في سرية مؤتة استشهد عدد كبير من جند المسلمين، كما استشهد القادة الثلاثة الذين رتبهم رسول الله صلى الله عليهم وسلم لقيادة المعركة وهم زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب، فعبد الله بن رواحة، ولما استشهدوا جميعا رضي الله عنهم، انتخب المسلمون خالدا بن الوليد وقد كان غنيًا عن التعريف، فسلموا إليه أمرهم فانسحب بهم وعاد إلى المدينة، وهنا استقبله العاطفيون الشعاراتيون بالهتافات المستهجنة والاتهامات الانفعالية التي لا تنم إلا عن إخلاص وحب ولكنه مشوب بعدم المسئولية وغياب التقدير، فكانت العواطف والشعارات تتهم خالدا بالفرار من المعركة، كأنهم يقولون له لماذا لم تمت على ما مات عليه جعفر وزيد وعبداالله، كيف ترجعون وتتركون دماء الشهداء على أرض المعركة، كان هؤلاء يريدون بعاطفتهم الجياشة واخلاصهم للفكرة أن يقتل الجميع وفضلوا ذلك على أن يعود بعضهم سالمًا، فما كان من الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، من موقع إدراكه العميق، ومسئوليته الحكيمة عن الدعوة كفكرة وكرجال، إلا أن فند هذا الخطاب العاطفي، وأثنى على قرار خالد بل منحه لقبًا خالدًا إلى يوم الدين، وأسماه سيف الله المسلول.

وفي قصة أخرى وردت في الأثر وبغض النظر عن مدى استجابتها لمعايير علم السند والمتن والتوثيق، نري قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي وموقفه المشهور في التاريخ الإسلامي وقصته مع ملك الروم الذي عرض عليه الافراج عنه مقابل تقبيل رأسه، فاشترط مقابل ذلك الافراج عن جميع الأسرى المسلمين لديه، وهو ما كان، وقد كان يمكن للعاطفيين أن يقولوا نموت ونستشهد في  غياهب الزنازين ولا نقبل رأسه، غير أن القائد الحكيم المسئول الفارق عمر بن الخطاب أدرك مدى الفائدة التي قدمها الصحابي عبدالله بن حذافة للإسلام والمسلمين رغم التنازل الذي قدمه بتقبيل رأس هذا الملك المغرور، وقال: «حقّ على كل مسلم أن يقبّل رأس عبد الله بن حذافة». ثم قبّل عمر رأسه تكريمًا له.

وفي الموقف الثالث يظهر الفارق عمر بن الخطاب ليس كما ذكرته في الموقف الثاني قائدا مسئولا بحكم موقعه كأميرا للمؤمنين، وإنما باعتباره شخصًا قريبا للعامة لم تهذبه المسئولية والقيادة بعد، وذلك حين قاد موقفا في مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم، يحتج ويعترض على ما رآه تنازلا في صلح الحديبية، فيذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم محتجا :" كيف نرضى الدنية في ديننا ونحن على الحق وهم على الباطل" ، وقد كان مع عمر في هذا الموقف جل الصحابة تقريبا في صلح الحديبية، حتى أهموا الرسول وأحزنوه، قبل أن ينصاعوا لأوامره وتعليماته، والشاهد هنا أن العاطفة الجياشة لم تكن تقبل بما تراه ظلما بينا، وتفريطا وتسليما، بينما المسئولية والحكمة كانت ترى أمورا أخرى مختلفة تماما عما يراه هؤلاء .

والخلاصة هنا أن المواقف والقرارات المصيرية، لا تؤخذ بدافع من عواطف الناس التي تصدر الأحكام بناء لشرعيتها الأخلاقية، أو عدالتها النظرية، أو مثاليتها المفرطة، وإنما تؤخذ القرارات بتحييد كامل وتام لهذه العاطفة، ودراسة متأنية وموضوعية ودقيقة للواقع والإمكانيات والظروف بما يتضمنه ذلك من أوراق قوة.

اخبار ذات صلة