في غزة، لم تعد آبار المياه مجرد مرافق خدمية تضخ الماء للعطشى، بل تحولت إلى خطوط مواجهة مفتوحة بين الحياة والموت. هناك، حيث يصطف الناس بحثًا عن قطرة ماء، كان موظفو البلديات يخوضون معركة يومية من أجل إبقاء المدينة حيّة، رغم القصف، والخطر، وانعدام الأمان.
داخل منطقة "آبار الصفا" شرق مدينة غزة، كان رائد محمد أبو الكاس يؤدي مهمته اليومية كعادته، يعرف أن المكان مستهدف، وأن الطائرات لا تغادر السماء، وأن أي حركة قرب البئر قد تتحول إلى هدف مباشر، لكنه كان يرى في عمله واجبًا وطنيًا وإنسانيًا لا يمكن التخلي عنه.
في صباح الثالث والعشرين من أكتوبر، وبينما كان يفتح آبار المياه برفقة زملائه، انهمرت الصواريخ عليهم، خلال دقائق، تحولت مهمة توفير الماء للناس إلى مجزرة مفتوحة، أصيب رائد، واستشهد زملاؤه، ثم بدأت المأساة الأكبر عندما هرع أبناؤه لإنقاذه تحت القصف.
أحدهم استشهد على الفور، والآخر فقد قدمه، بينما ظل الأب ملقى على الأرض ينظر إلى أولاده وهم يسقطون أمام عينيه، عاجزًا عن الحركة أو الصراخ أو حتى احتضانهم.
هذه ليست مجرد قصة إصابة في الحرب، بل حكاية أبٍ شاهد أبناءه يركضون نحو الموت فقط لأنهم أرادوا إنقاذه.
يقول رائد أبو الكاس، وهو موظف بلدية غزة والمسؤول عن تشغيل وصيانة "آبار الصفا": "إن العمل في تلك المنطقة كان محفوفًا بالخطر منذ بداية الحرب، لكن الحاجة إلى المياه دفعتهم للاستمرار رغم كل التهديدات".
في صباح الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، كان رائد وزملاؤه في موقع العمل حين بدأت الطائرات الإسرائيلية باستهداف المنطقة بشكل مباشر إذ يشير، إلى أن الساعة كانت تقريبًا السابعة وعشر دقائق صباحًا، وفجأة تم استهدافنا، أصبت مباشرة في قدمي، واستشهد اثنان من زملائي".
بعد دقائق من القصف، بدأ سكان المنطقة والأقارب بمحاولات إسعاف المصابين، لكن كل من كان يقترب من المكان كان يتعرض للاستهداف مجددًا".
ويتابع بصوت تختلط فيه الحسرة بالفخر: "أي شخص كان يدخل عشان يسعفنا كان يتم استهدافه، كثير من الناس استشهدوا أو أصيبوا أثناء محاولتهم إنقاذنا".
وسط هذا المشهد الدموي، وصل ابناه محمد ومحمود إلى المكان بعدما سمعا أن والدهما أصيب.
محمد، البالغ من العمر 19 عامًا، اندفع نحو والده رغم القصف المستمر، لكنه استشهد فور وصوله، أما محمود، ذو السبعة عشر عامًا، فرأى أخاه يسقط أمامه، لكنه أكمل طريقه نحو والده محاولًا إنقاذه، قبل أن تصيبه شظايا أدت إلى بتر قدمه.
يقول رائد: "أولادي رموا حالهم في النار عشاني محمد استشهد وهو جاي يسعفني، ومحمود انبترت قدمه وهو بحاول يوصللي".
ظل رائد ينزف على الأرض قرابة 45 دقيقة، غير قادر على الحركة، يشاهد الشهداء والمصابين يتساقطون حوله، بينما سيارات الإسعاف لم تتمكن من الوصول بسبب خطورة المكان"، مؤكدًا أن زملاءه في البلدية خاطروا بحياتهم لإنقاذه، قائلاً: "اثنين من زملائي دخلوا تحت القصف وحملوني كانوا أبطال بكل معنى الكلمة".
لكن معاناة رائد لم تتوقف عند لحظة الإصابة، فبسبب نقص الأدوية والمضادات الحيوية داخل مستشفيات غزة، خضع لعدة عمليات بتر متتالية".
ويقول: "تم بتر قدمي أكثر من مرة بسبب عدم توفر العلاج، وفي مرات كانت العمليات تُجرى بدون بنج".
ورغم كل ما فقده، يرفض رائد وصف إصابته بالإعاقة، بل يعتبرها "وسام شرف"، وأفاد بثبات: "أنا أبو شهيدين، وهذه الإصابة وسام شرف إلي، وليست إعاقة".
قبل إصابته بأشهر، كان رائد قد فقد ابنه "مجد" الذي استشهد في الرابع من يوليو/تموز 2024، ما جعل لحظة إصابته محمّلة بمشاعر متداخلة بين الألم والاشتياق.
وأضاف: "أثناء الإصابة كنت أبتسم وأقول يا رب يمكن ألقى ابني مجد، كنت مشتاق له بشكل ما تتخيلوه"، لكن الصدمة الكبرى بالنسبة له لم تكن إصابته، بل رؤيته أبناءه يسقطون أمامه واحدًا تلو الآخر.
ويضيف رائد: "كنت مفكر أولادي الثلاثة استشهدوا، وبعد العمليات عرفت إن محمود لسه حي، فحمدت ربنا".
ورغم الألم الجسدي والنفسي، عاد رائد إلى عمله فور تحسن وضعه الصحي، وأصر على استكمال مهمته في خدمة الناس، إذ يؤكد: "لو طلبوا مني اليوم أرجع أشتغل في آبار الصفا، بروح فورًا لخدمة الناس هذا واجب وطني وديني وأخلاقي".
رائد أبو الكاس لا يتحدث عن نفسه كضحية، رغم أنه فقد أبناءه، وقدمه، وأجزاءً من حياته التي عرفها قبل الحرب، يتحدث كرجل يرى في عمله رسالة، وفي إصابته شرفًا، وفي أبنائه الشهداء امتدادًا لمعنى التضحية.
قصة رائد ليست حكاية فردية في غزة، بل صورة مكثفة لواقع مدينة كاملة، يعيش أهلها بين القصف والحرمان، لكنهم يتمسكون بالحياة بطريقة تبدو أحيانًا خارقة للطبيعة.
هناك، في "آبار الصفا"، لم يكن الماء وحده يتدفق من الأرض، بل سالت أيضًا حكايات الآباء والأبناء، واختلطت المياه بالدم، وتحولت مهمة إنسانية بسيطة إلى ملحمة من الفقد والصمود.
