قائمة الموقع

"كأن الزمن توقف".. أسامة الجماصي يروي حكايته مع الإصابة والعتمة

2026-05-18T12:58:00+03:00
أسامة الجماصي
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم يكن أسامة الجماصي يتوقع أن خروجه في مشوار بسيط خلال الاجتياح الأول لحي الشجاعية، الذي بدأ في الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، سيكون بداية رحلة طويلة مع الألم والعتمة وفقدان الإحساس بالزمن، إذ تغيّرت حياته بالكامل في لحظة واحدة.

كان أسامة يعيش حياة طبيعية؛ يعمل ويتحرك ويمارس كرة القدم ويعتمد على نفسه في تفاصيل يومه، قبل أن تأتي لحظة تقلب حياته رأسًا على عقب، وتحرمه نعمة البصر إلى الأبد.

في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023، تعرّض أسامة لإصابة بالغة إثر قصف استهدف محيط المنزل الذي نزحت إليه عائلته في حي التفاح شرقي مدينة غزة.

وأُصيب أسامة بجروح مركبة وخطيرة، أدت إلى تهتك كامل في العينين وتفريغهما بالكامل، إلى جانب كسور في الجمجمة والجبهة والعين والأنف والفك، فضلًا عن جروح عميقة في الوجه والرأس. لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرته لم يكن لحظة القصف نفسها، بل الفراغ الكامل الذي يفصل بين ما قبل الإصابة وما بعدها.

يقول أسامة إن آخر مشهد يتذكره قبل الاستهداف كان بسيطًا وعاديًا للغاية؛ إذ كان يجلس مع والده على درج منزل أقاربهم يشرب كوبًا من الحليب، ثم حمل الأكواب إلى المطبخ، وبعدها توقف الزمن تمامًا.

ويروي تفاصيل تلك اللحظات قائلًا: "آخر شيء أتذكره أني كنت جالسًا مع والدي على درج البيت نشرب كأس حليب، وبعدها أخذت الأكواب إلى المطبخ. هذا آخر مشهد في ذاكرتي. لا أتذكر صوت صاروخ، ولا ضوء انفجار، ولا أي شيء إطلاقًا. فجأة وجدت نفسي بعد ثلاثة أيام داخل مجمع الشفاء الطبي".

ويضيف أن تلك الأيام الثلاثة تبدو بالنسبة له وكأنها مُسحت من حياته بالكامل، موضحًا: "الفترة بين لحظة الاستهداف وبين استيقاظي في المستشفى غير موجودة في ذاكرتي نهائيًا، كأن الزمن توقف وتم حذف هذه الأيام من عمري بالكامل. الناس من حولي كانوا يخبرونني بما حدث، لكنني لا أدرك أي تفصيل منها".

وحين استيقظ داخل مجمع الشفاء الطبي، كانت غزة تعيش واحدة من أصعب مراحل الحرب، فيما كان المستشفى يعمل بإمكانات شبه معدومة بعد تعرضه للاستهداف والتدمير. لم يكن هناك طاقم طبي كافٍ، ولا معدات، ولا غرف عمليات مكتملة، وكانت الأولوية فقط لإنقاذ من يمكن إنقاذه.

ويشير أسامة إلى أن أول ما سمعه بعد استيقاظه من الغيبوبة كان صوت صديقه، مضيفًا: "سألته أين أنا؟ ولماذا الدنيا ظلام؟ فقال لي: أنت في مستشفى الشفاء، وأنت مصاب".

في البداية، أخبره المحيطون به أن وجهه ملفوف بالشاش بسبب الجروح، ولم يُبلغوه مباشرة بأنه فقد بصره، لكن أسامة بدأ يدرك أن هناك شيئًا أكبر من مجرد إصابة عابرة.

ويتابع: "استقبلت الخبر بهدوء نسبي، وقلت الحمد لله رب العالمين، هذا قدر الله، لكنني في داخلي كنت أشعر أن حياتي كلها تغيّرت".

وبحسب ما نقله له والده وأقاربه لاحقًا، فإن الأطباء اعتقدوا في البداية أن نجاته شبه مستحيلة بسبب النزيف الحاد وخطورة إصابة الرأس، حتى إن قبرًا جرى تجهيزه له ظنًا أنه لن ينجو.

ويقول: "أخبروني أن الأطباء قالوا لأهلي إن حالتي ميؤوس منها، وإنه لم يبق أمامي سوى ساعات قليلة. ظللت أنزف لفترة طويلة على أرض المستشفى، إلى أن لاحظ أحد الممرضين أن النزيف بدأ يتوقف، فقرروا إدخالي ومحاولة إنقاذي".

وبعد عشرة أيام، اضطر الأطباء إلى تفريغ العينين بالكامل خشية انتقال الالتهابات والإصابات إلى الدماغ، خصوصًا في ظل ضعف الإمكانات الطبية آنذاك.

ويشرح أسامة معنى ذلك بقوله: "تفريغ العين يعني أنه لم يعد هناك أي أمل في الإبصار. الشبكية والقرنية والقزحية كلها انتهت، وأصبح التجويف فارغًا بالكامل".

ويؤكد أن فقدان البصر كان أقسى ما خسرته الحرب بالنسبة له، مضيفًا: "البصر نعمة عظيمة جدًا. الإنسان حين يفقده يشعر كأنه ميت مع وقف التنفيذ. حياتي تغيّرت 180 درجة. كنت أعتمد على نفسي في كل شيء، واليوم أحتاج إلى من يساعدني في أبسط تفاصيل الحياة".

ويتابع بصوت يملؤه الألم: "اليوم حتى اختيار ملابسك يحتاج إلى من يساعدك، وحتى السير في الطريق يحتاج إلى من يمسك بيدك. الإنسان الذي كان مبصرًا ثم فقد بصره أصعب بكثير من شخص وُلد كفيفًا، لأنك تعرف شكل الأشياء والأماكن والناس، ثم تُحرم منها فجأة".

ويضيف أن أكثر ما يرهقه نفسيًا هو استحضار الصور المخزنة في ذاكرته دون أن يتمكن من رؤيتها مجددًا، قائلًا: "حين يقولون لي إن مكانًا قُصف أو إن شخصًا تزوج أو توفي، أبدأ بتخيّل الصورة القديمة التي أعرفها، وأشعر بحسرة كبيرة لأنني لن أراها مرة أخرى".

ورغم فقدانه البصر، فإن الإصابة لم تتوقف عند ذلك، إذ ما زال يعاني حتى اليوم من آثار الضربات القوية التي تعرض لها رأسه وجمجمته وجهازه العصبي.

ويقول: "الإصابة ليست فقدان بصر فقط، هناك إصابات أخرى في الرأس والأعصاب والجمجمة. أحيانًا أبسط وعكة صحية تتعبني لشهر كامل. الحركة صعبة، والأعصاب تتأثر بسرعة، وكل شيء في حياتي أصبح مختلفًا".

قبل الحرب، كان أسامة يعمل في مجال الرخام، كما عمل في مخازن المولات التجارية، وكان يمارس كرة القدم الشعبية مع أصدقائه وأقاربه، أما اليوم فقد أصبحت تلك الحياة مجرد صور محفوظة في ذاكرته.

ورغم كل هذا الألم، لا يغادر الحمد لسانه، ويكرر دائمًا: "الحمد لله رب العالمين، ماذا يمكن أن نقول غير الحمد لله؟ هذا قضاء الله وقدره".

وفي إحدى اللحظات المؤثرة خلال الحديث، استعاد أسامة صورة قديمة التُقطت له مع أحد أقاربه، وراح يحاول تذكّر تفاصيلها اعتمادًا على ذاكرته فقط، في مشهد يلخص حجم الفقد الذي يعيشه الإنسان حين تتحول الذكريات إلى وسيلته الوحيدة لرؤية العالم.

اخبار ذات صلة