قائمة الموقع

غزة تبتكر حلولاً اضطرارية لهندسة الأمل لمبتوري حرب الإبادة

2026-05-20T18:20:00+03:00
بدائل الجبص في غزة
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في غرفٍ ضيقة تزدحم بالمصابين، وبين أصوات آلاتٍ بدائية ومواد شحيحة، يحاول العاملون في مراكز الأطراف الصناعية بقطاع غزة أن يمنحوا المبتورين فرصة جديدة للحياة؛ لكن الحرب المستمرة منذ عام 2023 لم تترك فقط آلاف الجرحى والمصابين، بل خلّفت أزمة إنسانية وطبية خانقة داخل مراكز التأهيل والأطراف الصناعية، في ظل نقص حاد في المواد الخام، ومنع إدخال المعدات الحديثة، وتزايد يومي في أعداد حالات البتر.

ومع تضاعف أعداد المصابين، باتت الحاجة ملحّة لتدخل عاجل من المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية، عبر توفير المواد الأساسية لصناعة الأطراف الصناعية مثل الجبس والبلاستيك الطبي والقطع الميكانيكية الخاصة بالأطراف، والسماح بإدخال التقنيات الحديثة التي تخفف معاناة الجرحى وتساعدهم على استعادة حياتهم الطبيعية.

كما تبرز الحاجة إلى دعم الكوادر الطبية والفنية، وفتح برامج تدريب وتأهيل متخصصة، وإنشاء مراكز حديثة قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين.

بدائل محلية اضطرارية

داخل مركز الأطراف الصناعية، يقف الأخصائي فارس صالحة أمام واقع قاسٍ يصفه بأنه الأخطر منذ سنوات، قائلاً: "إن أعداد المصابين تضاعفت بشكل كبير منذ بداية الحرب، بينما الكادر الموجود لم يعد قادراً على تغطية الاحتياجات المتزايدة، خاصة مع وصول حالات بتر جديدة بشكل شبه يومي.

ويؤكد صالحة لمراسل "شمس نيوز"، أن النقص الحاد في المواد الخام أجبر الطواقم الفنية على اللجوء إلى بدائل محلية أقل جودة وأكثر ثقلاً، موضحاً أن المادة الأساسية المستخدمة عالمياً في صناعة الأطراف الصناعية، وهي مادة "الليمينيشن" أو البلاستيك السائل، نفدت بالكامل من قطاع غزة، ما دفعهم لاستخدام مادة "البولي بروبلين" كبديل اضطراري.

ويشرح أن هذه المادة أثقل وزناً، وتسبب معاناة للمصاب أثناء الحركة والمشي، قائلاً "إن المريض يحتاج إلى طاقة مضاعفة لاستخدام الطرف الصناعي المصنوع من هذه المواد، مقارنة بالأطراف الحديثة خفيفة الوزن، كما أنها قد تؤدي إلى التهابات ومشاكل صحية بسبب صعوبة الاستخدام.

ويضيف صالحة أن الأزمة لا تتوقف عند المواد البلاستيكية فقط، بل تمتد إلى مادة الجبس الأساسية المستخدمة في أخذ القياسات والقوالب الخاصة بالأطراف الصناعية، مؤكداً أن الكميات المتبقية شحيحة للغاية وقد لا تكفي لفترة قصيرة.

ويقول: "إن سعر كيس الجبس ارتفع بشكل جنوني من نحو 35 شيكلاً قبل الحرب إلى ما يقارب 3500 شيكل حالياً، الأمر الذي يهدد بتوقف الخدمة بالكامل في حال نفاد هذه المادة.

خلط الجبس بالرمل

ويتابع أن الطواقم باتت تلجأ إلى خلط الجبس بالرمل وإعادة تكسير القوالب القديمة وإعادة استخدامها لتوفير الكميات القليلة المتبقية، في محاولة لإطالة فترة العمل والاستمرار في تقديم الخدمة للمصابين.

ويشدد فارس صالحة على أن الطرف الصناعي ليس رفاهية، بل ضرورة حياتية أساسية، لأنه يعيد للمصاب قدرته على الحركة والعمل وممارسة حياته الطبيعية، مؤكداً أن استمرار الحرب وزيادة أعداد المبتورين فاقما الضغط على المراكز الطبية بشكل غير مسبوق.

الطرف الصناعي بداية حياة جديدة

أما الجريح يوسف سعدات، البالغ من العمر 25 عاماً من شمال قطاع غزة، فيروي تفاصيل إصابته التي غيّرت حياته بالكامل، بعدما تعرض منزله للاستهداف خلال الحرب بتاريخ 15 يناير 2024، ما أدى إلى بتر قدمه اليمنى وتركيب بلاتين في قدمه اليسرى، إضافة إلى فقدانه عدداً من أفراد عائلته.

ويقول يوسف لمراسل "شمس نيوز" إنه حوصر داخل المستشفى الإندونيسي لأربعين يوماً وسط ظروف إنسانية قاسية، دون غذاء أو خدمات طبية أو حتى مأوى آمن، قبل أن يُجبر على الخروج من المستشفى والتوجه إلى مدينة غزة لاستكمال العلاج.

ويضيف أنه التحق بمركز الأطراف الصناعية لتلقي العلاج الطبيعي والتأهيل، لكنه اضطر للانتظار أشهراً طويلة قبل تركيب الطرف الصناعي بسبب نقص الإمكانيات ومنع إدخال الأطراف والمعدات اللازمة إلى القطاع.

ويوضح يوسف أن الطرف الذي حصل عليه أفضل من السابق من حيث الحركة، لكنه لا يزال بعيداً عن الأطراف الحديثة المستخدمة عالمياً، قائلاً إن الأطراف الخارجية أخف وزناً وأكثر مرونة وسرعة، بينما المتوفر في غزة قديم ومحدود الإمكانيات.

ورغم كل ما مرّ به، لا يخفي يوسف حلمه بمواصلة دراسته في مجال الأطراف الصناعية، بعدما تخرج من قسم الفيزياء في الجامعة الإسلامية، مؤكداً أن معاناته الشخصية دفعته للتفكير في خدمة الجرحى والمصابين حتى لا يعيشوا الألم نفسه الذي عاشه.

ويقول "إن الطرف الصناعي بالنسبة له ليس مجرد أداة مساعدة، بل بداية حياة جديدة، بعدما كان يعيش على العكازات غير قادر على الحركة أو ممارسة حياته الطبيعية.

لكن يوسف، الذي يعشق كرة القدم، يؤكد أن الطرف الحالي لا يمكّنه من العودة إلى ممارسة الرياضة كما كان، مضيفاً أن فقدان القدرة على الجري وممارسة هوايته المفضلة شكّل جزءاً آخر من المعاناة التي خلفتها الإصابة.

رسالة إنسانية

ورغم الإمكانيات المحدودة والمواد البديلة الثقيلة التي تُستخدم اضطراراً، يواصل العاملون في مراكز الأطراف الصناعية أداء رسالتهم الإنسانية، محاولين إعادة الأمل لمن فقدوا أجزاءً من أجسادهم وأحلامهم؛ إلا أن استمرار هذا العمل بات مهدداً في ظل النقص الحاد في المواد الأساسية ومنع إدخال المعدات والتقنيات الحديثة.

وتبقى الحاجة اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى لتحرك دولي عاجل يضمن إدخال مستلزمات الأطراف الصناعية، ودعم مراكز التأهيل، وتوفير برامج علاج وتأهيل نفسي وجسدي للمصابين، حتى لا يتحول آلاف الجرحى إلى ضحايا دائمين للحرب.

اخبار ذات صلة