تزامنًا مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، تستقبل المخيمات الفلسطينية في لبنان هذه المناسبة بظروف بالغة التعقيد والوجع؛ حيث تتداخل التحضيرات الخجولة بمشاعر قلق ممتد، جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة والتوتر الأمني الذي ما زال يظلل البلاد برغم أحاديث الهدنة المعلنة.
في الأزقة المتشابكة للمخيمات، تبدو الأسواق الشعبية باهتة وأقل صخباً من المعتاد، إذ يكتفي الأهالي بالمرور بين المحال وإلقاء نظرات حسرة دون قدرة فعلية على الشراء، مدفوعين بجموح الغلاء وانهيار القدرة الشرائية.
أسواق بلا نبض
الملابس الملونة تُعرض على الواجهات، وبسطات الحلويات بدأت تتربص بالمارة، لكن بهجة العيد تبدو مؤجلة لدى عائلات باتت أولوياتها القصوى لا تتعدى تأمين الرغيف والاحتياجات الأساسية.
أبو محمد، لاجئ فلسطيني من مخيم عين الحلوة، يقول لمراسلة "شمس نيوز": "في الماضي، كنا نترقب العيد لنفرح ونشتري للأطفال ونعد الموائد والزيارات، أما اليوم فجلّ تفكيرنا ينصبّ على كيفية تدبر قوت ما تبقى من الشهر؛ حتى كسوة العيد باتت هماً ثقيلاً يؤرق العائلات المكلومة".
وفي مخيم البداوي، تطوف أم خليل في الأسواق بملامح يكسوها الحزن، وتقول بمرارة: "الأطفال ينتظرون العيد من عام لآخر، لكن الواقع مرير جداً، نحاول جاهدين ألا نحرمهم الفرحة كلياً، ولو عبر ثياب بسيطة أو قطعة حلوى متواضعة".
هدنة هشة
ورغم الحديث السائد عن هدنة في لبنان، إلا أن الخروقات الأمنية المستمرة ودوي الانفجارات الذي يستهدف بعض المناطق يرسخان حالة من الذعر داخل المخيمات، لا سيما مع رجع صدى الغارات أو الأنباء المتواترة عن تصعيد محتمل.
وفي هذا السياق، يعلق شاب من مخيم نهر البارد قائلاً: "الناس أُنهكت من الخوف والاضطراب، حتى مع وجود الهدنة، لا أحد يستشعر الأمان الفعلي، وكل بيت يعيش في ترقب مستمر لما سيأتي".
ومع اشتداد الأزمة المعيشية، باتت الشريحة الأكبر من العائلات تعول على المعونات الإنسانية والمبادرات التكافلية لتأمين النذر اليسير من مستلزمات العيد.
التكافل الشعبي
ومن رحم هذه المعاناة، انطلقت مجموعات شبابية وجمعيات أهلية داخل المخيمات لتنظيم حملات توزيع ألبسة العيد، الحصص الغذائية، ولحوم الأضاحي على الأسر الأشد فقراً.
وفي خطوة تعكس إرادة الحياة، يصر الأهالي في عدة مخيمات على صون بعض الطقوس التقليدية التي تمنح الصغار إحساساً بالعيد؛ فيشرعون بتنظيف الأزقة، وتزيين الشوارع، وإعداد الحلويات المنزلية بإمكانيات شحيحة، تمسكاً بالأمل.
ورغم الحصار المعيشي وهواجس الغد، يظل العيد في وعي اللاجئين بالمخيمات مساحة مصغرة لمقاومة الانكسار، ومحاولة لحماية براءة الأطفال من قسوة الأيام، تأكيداً على أن الفرح، مهما كان ضئيلاً، يملك دائماً القدرة على الانبعاث من قلب الأزمات.