تحت سقفٍ مائل وجدرانٍ نال منها القصف لمنزلٍ آيل للسقوط جنوب مدينة غزة، يختبئ مشهدٌ يثير الدهشة والذهول؛ فمن خلف ركام الدمار، يتسلل صوت ثغاء ماشية يكسر صمت المكان، وما إن تسترق النظر عبر الفتحات التي أحدثتها القذائف، حتى يفاجئك وجود نحو 37 رأسًا من الخراف والماعز، تحولت إلى ما يشبه "الكنز الثمين" في زمن بات من النادر رؤيته في القطاع.
في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات، كان مربو الماشية في قطاع غزة يستعدون لعيد الأضحى بطقوس تملؤها البهجة؛ المزارع تضج بالحركة وتغصّ بالعجول والخراف، وقوائم الحجوزات تزدحم بالمضحّين، بينما ترتسم الفرحة على وجوه الأطفال؛ لكن اليوم، انقلبت الحياة رأساً على عقب؛ إذ غابت الطقوس، وباتت مجرد رؤية خروف أو ماعز في شوارع القطاع ضرباً من ضروب الخيال الممزوج بالحسرة.
ورغم هذا الواقع القاسي، يُصرّ مربو الماشية في قطاع غزة على التمسك بتلك الشعائر والطقوس؛ فيحاولون جاهدين إحياءها بما تيسر، متحدّين الغياب التام للعجول والشُّح الحاد في الخراف والماعز.
المواطن جمال النادي أحد مربي المواشي في حي الزيتون جنوب مدينة غزة، يستذكر بحسرة ما آلت إليه الأوضاع قبل العيد؛ ففي مثل هذه الأيام من كل عام، كانت مزرعته السابقة تضج بالحركة والحياة: "قبل الحرب، كنا نستعد لعيد الأضحى بتجهيز ما بين 150 إلى 200 عجل، كانت الزبائن تزورنا، تحجز أضاحيها مبكراً، وكانت الأمور متاحاً ومتوفرة بنسبة 100%".
تبدل المشهد تماماً على مدار ثلاث سنوات من حرب الإبادة؛ فلم يعد جمال يملك تلك المزرعة الكبيرة؛ فقد خسِر بشكل مباشر نحو 70 عجلاً مع المزرعة بتكلفة مالية باهظة تُقدّر بنحو 350 ألف دينار، ليجد نفسه اليوم مجبراً على العمل في أضيق الحدود.
يقول النادي لمراسل "شمس نيوز": "العجول غير موجودة في غزة بالمرة، وما هو متوفر من أغنام وخراف لا يتجاوز نسبة 10% مقارنة بما قبل الحرب، وحتى هذه الـ 37 رأساً التي أملكها اليوم، لملمتها بصعوبة بالغة؛ رأس من هنا ورأسان من هناك، فمن المستحيل أن تجد هذا العدد عند تاجر واحد اليوم".
الأسعار.. قفزة جنونية بـ 100 ضعف!
بسبب الشح الحاد وصعوبة الاستيراد، حلّقت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة لا تكاد تُصدق، ويضرب جمال مثالاً صارخاً على هذا الغلاء: "سعر الجدي قبل الحرب كان يتراوح حول 1,000 شيكل فقط، أما اليوم قفز سعره بشكل جنوني ليتراوح ما بين 10,000 إلى 15,000 شيكل (أي ما يعادل 100 ضعف تقريباً).
هذا الارتفاع الجنوني جعل اللحوم والأضاحي بعيدة المنال عن الغالبية العظمى من سكان القطاع، فبينما كان العيد موسمًا للتكافل، باتت الأضحية اليوم تقتصر فقط على بعض المؤسسات الإغاثية الدولية أو فئة قليلة جداً من الميسورين، فيما حُرمت النسبة الأكبر من المواطنين من إحياء هذه الشعيرة.
أزمة أعلاف وغياب الأمان
لا تتوقف معاناة المربي جمال النادي عند حدود السعر والمكان؛ بل تمتد إلى لقمة عيش هذه المواشي، فالمعابر مغلقة، والأعلاف لا تدخل القطاع إلا إذا كانت مخصصة لبعض المؤسسات، مما يجبر المربين على رحلة بحث مضنية ومكلفة لتأمين ما يسد رمق مواشيهم، وإلا واجهوا خطر نفوقها جوعاً.
يختتم جمال حديثه وعيناه تتفحصان السقف المتصدع فوق رأسه: "نحن نربي مواشينا بلا أي استقرار، في أي لحظة قد نتعرض للقصف، والسقف واقع أصلاً وخطر الموت يتربص بنا وبالمواشي في كل ثانية، كل ما نتمناه اليوم هو أن تنتهي هذه الحرب ونعود نعمل في بيئة مستقرة وهادئة بعيدًا عن القلق والتوتر.