غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

"بدهم يذبحوا خروف والله خروف!".. أطفال غزة يسرقون دهشة العيد من أنياب المأساة

عيد الأضحى في غزة
شمس نيوز - خاص

يركض الطفل أنس (7 أعوام) مسرعاً في أحد شوارع مدينة غزة، والبسمة تعلو شفتيه، ومن خلفه يهرول عددٌ آخر من أصدقائه وهم يصدحون بصوت واحد: "بدهم يذبحوا خروف.. والله خروف!". وما إن وصل حتى بدا صوته متهدجاً من الحماس والتعب.

أما نسيم (5 أعوام)، الذي وصل لاهثاً إلى حظيرة تضم نحو سبعة خراف، فقد وقف يشير بإصبعه صوب أحدها مستغرباً: "هي خروف إله قرنين.. ولونه أبيض وأسود!". هذه المشاهد العفوية سيطرت على أطفال غزة وسط ظروف استثنائية وقاسية يمر بها القطاع.

ويبدو أن غالبية الأطفال الذين تجمهروا لمشاهدة "أضاحي العيد" في بداية شارع الجلاء، لم يسبق لهم استيعاب هذا المشهد؛ إذ كانت أعمارهم عند اندلاع الحرب لا تتجاوز الثلاثة أعوام، فيما جلب بعض الآباء أطفالهم الذين وُلدوا خلال الحرب لمشاهدة شعيرة الأضحية لأول مرة في حياتهم، محاولين سرقة لحظة فرح من بين أنياب الحصار.

ويستقبل الفلسطينيون في قطاع غزة، للعام الثالث على التوالي، عيد الأضحى المبارك في ظل ظروف إنسانية واقتصادية قاسية، مع استمرار الحصار الإسرائيلي وتداعيات الحرب، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في قطاع الثروة الحيوانية وحرمان غالبية العائلات من إحياء شعيرة الأضحية.

وتشهد أسواق المواشي في القطاع شللاً تاماً، في ظل منع إدخال الأضاحي الحية والأعلاف والأدوية البيطرية عبر المعابر، ما تسبب في اختفاء شبه كامل للأضاحي وارتفاع أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة، جعلت الحصول عليها خارج قدرة معظم السكان.

زوجة شهيد

وفي زاوية أخرى، ترفع أبرار العشي هاتفها النقال تلتقط بعض صور ذبح الأضحية في محاولة منها لاستعادة جزء بسيط من أجواء العيد، وتقول لمراسل "شمس نيوز": "كل شيء مختلف في هذا العيد. قبل الحرب، كانت للأعياد روح مبهجة؛ تجتمع العائلة بأكملها، ونعيش تفاصيل الأضحية بكل فرح. أما اليوم، فنحن نستقبل العيد دون زوجي -رحمه الله- الذي استشهد في الحرب، ودون تلك اللمة الدافئة".

وتضيف أبرار، وهي تحاول رسم ابتسامة وسط الركام: «خرجت اليوم لأداء صلاة العيد، محاوِلةً اقتناص أي بهجة وتشارُكِها مع طفلتي ولو بأبسط الأشياء. المشاعر غريبة ومختلطة، والظروف الراهنة لا تمت لأجواء العيد بصلة؛ فقد أثرت الحرب علينا عميقاً، لكننا نصر على البقاء أقوياء".

وتتابع واصفة المشهد: «جئت إلى هنا رفقة والدي وابنتي لنشاهد الأضاحي ونعود، محاولين استرجاع ولو جزءاً بسيطاً من "أيام الخير". في الماضي، كان المرء يضحي وسط عائلته، وكنا نخرج في غزة نسهر ونفرح بكل ساعة. اليوم غابت مظاهر العيد واختفت لمة الأهالي، لكنني رغم ذلك متمسكة بالأمل». وتكمل بيقين: «كثير من الناس يقولون إن العودة للحياة الجميلة مستحيلة، لكني أثق بالله وبأن غزة وأهلها يستحقون الأفضل، وبأن البلد سيعود أجمل مما كان».

أسعار الأضاحي نار

تتجلى المعاناة الاقتصادية أيضاً في حديث الأهالي؛ فالأضاحي التي كانت تكلفتها مقدورة قبل الحرب، باتت اليوم بعيدة المنال بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار، والقيود الصارمة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال الماشية إلى القطاع.

وفي مفارقة صارخة تعكس إرادة الحياة لدى أهل غزة، يقول المواطن أبو محمد: "الحمد لله الذي وهبنا نوعاً من الاستقرار النفسي؛ فعلى الرغم من أن الاحتلال دمّر مساحات واسعة في غزة وما زال يقصف البيوت والمباني السكنية، إلا أننا نصنع الفرح والسرور رغماً عنهم".

وأضاف: "لقد أحضرت أطفالي وزوجتي اليوم ليشاهدوا شعائر العيد كبقية أطفال العالم، حتى وإن كانت الفرحة منقوصة؛ فقبل الحرب كان لنا حصة من الأضاحي، أما الآن فيصعب على الأغلبية المشاركة في هذه الشعائر بسبب الغلاء والحصار واستمرار الحرب".

عيد أضحى بلا أضاحي

وفي هذا السياق، أكد المتحدث باسم وزارة الزراعة في غزة، رأفت عسلية في تصريحات سابقة "للجزيرة نت"، أن أكثر من مليوني فلسطيني سيستقبلون عيد الأضحى هذا العام بلا أضاحي، واصفًا الوضع بأنه غير مسبوق ويعكس حجم الكارثة التي خلفتها الحرب والحصار.

وأوضح أن الحرب المستمرة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أدت إلى تدمير ممنهج لقطاع الثروة الحيوانية، عبر استهداف المزارع والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي، وتوقف شبه كامل لعمليات الاستيراد.

وأشار إلى أن غزة كانت تستقبل قبل الحرب ما بين 10 إلى 20 ألف عجل سنويًا، إضافة إلى 30 إلى 40 ألف رأس من الأغنام خلال موسم الأضحى، في حين انعدمت هذه الأرقام اليوم ووصل الاستيراد إلى “صفر” مع استمرار إغلاق المعابر.

ويضيف مربو الماشية أن أزمة الأعلاف وارتفاع أسعارها قضت على ما تبقى من الثروة الحيوانية، وأجبرت كثيرًا من المربين على الخروج من القطاع أو تقليص نشاطهم بشكل كبير.