قائمة الموقع

عيد الأضحى في غزة.. طقوس تتبدل وتفقد ملامحها تحت وقع الحرب!

2026-05-27T17:52:00+03:00
شمس نيوز - وليد المصري

للعام الثالث على التوالي، تغيب أجواء عيد الأضحى المبارك عن قطاع غزة، تاركاً خلفه مشهداً مثقلاً بالفقد والجوع والنزوح، بعدما تحولت المناسبة التي اعتاد الفلسطينيون استقبالها بالتكبيرات وصلة الأرحام وذبائح الأضاحي إلى موسمٍ للحزن والخوف وانتظار الموت بفعل حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر 2023م.

وفي خيام النزوح المهترئة، وبين ركام المنازل والمساجد والأسواق، يعيش أهالي القطاع عيداً بلا ملامح؛ حيث تتلاشى الطقوس الدينية والاجتماعية تحت وطأة حرب، ويَحلُّ الحرمان مكان البهجة، فيما تواصل طائرات الاحتلال التحليق في سماء القطاع، كأنها تعلن أن العيد هنا يُستقبل بصواريخ الموت وليس بتكبيرات الفرح.

صلاة العيد فوق الركام

وغابت هذا العام مشاهد التكبيرات الجماعية التي كانت تصدح من مآذن مساجد قطاع غزة الشاهقة، بعد أن طال الدمار آلآف المساجد الكبرى، ولذلك اضطر آلاف الفلسطينيين إلى أداء صلاة العيد فوق أنقاض المساجد المدمرة أو داخل مخيمات النزوح، بينما امتزجت أصوات التكبير بالحزن، وسط تحليق مكثف لطائرات الاحتلال في سماء قطاع غزة.

وفي الأزقة الضيقة بين الخيام، بدا العيد وكأنه محاولة باهتة للحفاظ على ما تبقى من الشعائر في مواجهة مشهد الخراب الواسع.

أسواق بلا أضاحٍ.. واللحوم رفاهية مستحيلة!

وأدت الحرب إلى تدمير أعداد كبيرة من المزارع في قطاع غزة، فيما خيم الصمت على الأسواق التي كانت تعج قبيل عيد الأضحى بأصوات الباعة والمواشي وحركة المتسوقين، كما تسبب منع الاحتلال إدخال المواشي والأعلاف عبر المعابر التي يسيطر عليها، في شلل شبه كامل بقطاع الثروة الحيوانية؛ لتختفي مشاهد الأضاحي التي ارتبطت بالعيد.

وارتفعت أسعار الأضاحي بصورة غير مسبوقة، إذ يتراوح سعر الخروف الواحد بين 5000 و7000 دولار أمريكي، بعدما كان لا يتجاوز 400 دولاراً قبل الحرب، ما جعل شراء الأضحية أمراً مستحيلاً بالنسبة لعائلات قطاع غزة التي أنهكها النزوح والجوع والانهيار الاقتصادي والارتفاع الجنوني للأسعار.

ولم يقتصر غياب الأضاحي على فقدان الطقس الديني والاجتماعي فحسب، بل امتد ليحرم الأطفال من واحدة من أكثر تفاصيل العيد رسوخاً في ذاكرتهم؛ إذ اعتادوا الالتفاف حول الأضاحي في الشوارع والحارات، ومراقبة تجهيزها وذبحها، ثم انتظار توزيع اللحوم وطهيها داخل البيوت في أجواء عائلية دافئة.

أما اليوم، فقد غابت أصوات الأطفال وضحكاتهم، وحلت مكانها طوابير الجوع ومشاهد البحث عن الطعام، وتحولت اللحوم التي كانت تتصدر موائد العيد في غزة، إلى حلم بعيد المنال بالنسبة لآلاف الأسر التي بالكاد تجد ما يسد رمقها في خيام النزوح.

عائلات متفرقة وخيام معزولة

اعتاد الغزيون في الأعياد على التجمع في بيت العائلة، وتبادل الزيارات والتقاط الصور التذكارية، إلا أن الحرب مزقت تلك الطقوس بالكامل، فقد شُطبت عائلات كاملة من السجل المدني نتيجة القصف المتواصل، فيما تحولت بيوت كانت تستقبل المهنئين إلى بيوت عزاء مفتوحة.

كما فاقمت أزمة المواصلات عزلة النازحين، بعدما دُمر نحو 70% من المركبات في القطاع، وفق وزارة النقل والمواصلات، إلى جانب أزمة الوقود الخانقة، ما جعل التنقل بين مناطق النزوح أمراً مرهقاً وشاقاً، وقطع أوصال العائلات المشتتة.

لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام

الحج غائب للعام الثالث

وللعام الثالث على التوالي، يغيب موسم الحج عن قطاع غزة، بعدما حُرم آلاف الفلسطينيين من أداء الركن الخامس من أركان الإسلام، بسبب إغلاق المعابر واستمرار سيطرة الاحتلال عليه.

العائلات التي كانت تستعد كل عام لتوديع حجاجها بالزغاريد والدعوات ودموع الفرح، وجدت نفسها هذا العام أمام واقع ثقيل من العجز والانتظار، فيما تحولت ملابس الإحرام وحقائب السفر إلى أحلام مؤجلة بفعل الحرب والحصار.

ويقول الستيني أبو عمر أبو النجا، لمراسل "شمس نيوز"، إن "الاحتلال يسعى عبر سياسة ممنهجة إلى حرمان أهالي القطاع من الحج باعتباره أجمل اللحظات الروحية والإنسانية التي كانت تمنحهم شعوراً بالأمل والطمأنينة وسط سنوات الحصار الطويلة".

ومع استمرار إغلاق المعابر، تتبدد آمال كبار السن والمرضى الذين كانوا ينتظرون فرصة أداء المناسك بعد سنوات من الانتظار، بينما تخيم مشاعر الحزن على عائلات كانت ترى في سفر ذويها للحج مناسبة استثنائية تتجدد معها معاني الفرح والسكينة.

أطفال بلا كسوة ولا عيدية ولا ألعاب!

الأطفال، الذين اعتادوا استقبال عيد الأضحى بملابس جديدة وعيديات صغيرة تخبئ فرحتهم، وجدوا أنفسهم هذا العام في مواجهة واقع قاسٍ سرق منهم تفاصيل الطفولة ومعنى العيد معاً، ففي مخيمات النزوح، لم تعد الأولوية لشراء كسوة العيد أو التحضير للخروج والتنزه، بل لتأمين لقمة الطعام وجرعة ماء نظيف ومكان آمن يقيهم القصف والحر والمرض، فتحولت وجوه الأطفال التي كانت تضيء بالفرح صباح العيد إلى ملامح مرهقة أنهكتها الحرب والنزوح والخوف المستمر.

ودمرت الحرب الإسرائيلية على غزة، الحدائق العامة والملاهي والساحات والمدارس التي كانت تشكل متنفساً للأطفال خلال الأعياد، فيما غابت أصوات الألعاب والأغاني لتحل محلها أصوات الطائرات والانفجارات وصفارات الإسعاف.

كما غابت العيدية النقدية التي كان يأخذها الأطفال من أهلهم وأقاربهم، لتحل محلها وسائل تحويل إلكترونية عبر المحافظ، في ظل شبه انعدام للسيولة، وهو ما يضيف بُعداً جديداً لتحول طقوس العيد من الشكل التقليدي إلى واقع مفروض بظروف الحرب وينغص الفرحة في قلوب الأطفال.

وفي الأزقة الضيقة المحيطة بالخيام، يصطف الأطفال لساعات طويلة حاملين أوعية المياه الفارغة أو أواني الطعام، بدلاً من حمل الألعاب والهدايا كما كانوا يفعلون في الأعياد السابقة، وبعضهم يرتدي ملابس بالية لم تُستبدل منذ شهور، وآخرون فقدوا حتى أحذيتهم، ليقضوا أيام العيد حفاة فوق الرمال والركام.

اخبار ذات صلة