في جنوب لبنان… لا يدخل العيد من أبواب الفرح كما في سائر البلاد، بل يتسلّل مثقلاً برائحة الحرب، وبصوت الطائرات التي لا تعرف هدنة.
هنا، حيث المخيمات الفلسطينية الملاصقة للأرض المحتلة، يبدو العيد غريباً هذا العام؛ فلا زينة تملأُ الأزقة، ولا أصوات مراجيح تعلو فوق الخوف، ولا رائحة كعك تُعلن قدوم المناسبة كما اعتاد الأجداد منذ عقود اللجوء الأولى.
كان أهل المخيمات، رغم قسوة اللجوء والحرمان، يتمسكون بطقوس العيد كأنها آخر ما تبقّى من فلسطين؛ زيارات الأقارب، تبادل الهدايا، الحنّة، وضحكات الأطفال في الشوارع الضيقة… أمّا اليوم، فقد أطفأت الحرب الكثير من تلك التفاصيل، وفرضت على الجنوب عيداً يشبه الانتظار الطويل تحت القصف والترقّب.
وفي مخيم الرشيدية جنوبيّ لبنان، المخيم الأقرب إلى فلسطين، كانت الأزقّة تبدو أكثر صمتاً من المعتاد، بعدما غادرها بعض سكّانها المُهجّرين نحو مناطق أكثر أماناً. هناك، جالت “شمس نيوز” بين البيوت التي أثقلتها الحرب، لتلتقي الحاجّ أبو محمد علي، الذي اختصر وجعَ العيد بكلماتٍ موجعة قائلاً: “هذا العيد نفتقد فيه الكثير… بعض جيراننا هجّرتهم الحرب، وأطفالُنا لم يعودوا قادرين على اللعب خارج المنازل خوفاً من القصف، خصوصاً بعد الضربة الأخيرة التي استهدفت المخيم. حتى كعك العيد غاب هذا العام، فالنفسية مثقلة، والتهديدات لا تتوقف”.
وفي مخيمِ برج الشمالي، لا يختلف المشهد كثيراً، فأصوات القصف المتواصل في المناطق المحيطة سرقت من الناس طمأنينتهم، ودفعت الكثير من العائلات إلى إلغاء طقوس العيد المعتادة. الحاجة أم أحمد رميض تحدثت بحسرة عن واقع بات أقسى من قدرة الناس على الاحتمال، مؤكدةً أنهم لن يقوموا هذا العام بالزيارات العائلية خشية التجمّعات، كما أنهم لن يصنعوا كعك العيد بسبب الغلاء وانعدام القدرة المادية، بعدما فقد زوجها عمله وسط هذه الظروف الصعبة. وتقول: “أصبح همّنا اليوم تأمين المصروف اليومي فقط… بالكاد نستطيع تدبّر أمورنا”.
أمّا في مخيم البص، فكان الحديث يدور في الشوارع عن الغلاء والفقر والخوف من القادم. وبين مجموعة من الأهالي، استوقفنا الحاج أبو محمد حسين، الذي تحدّث بحرقة الأب العاجز عن إدخال الفرح إلى قلوب أطفاله هذا العيد، قائلاً: "إنه لن يتمكن هذا العام من شراء الملابس الجديدة لهم كما جرت العادة، بسبب سوء الأوضاع المعيشية وتوقفه عن العمل".
وبصوت أنهكه القهر، وجّه نداءً عاجلاً للوقوف إلى جانب أهالي المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان، ووضع خطة طوارئ تُسهم في إغاثتهم، وتمنح أطفالهم شيئاً من الفرح الذي سرقته الحرب، بعدما أثقلتهم مشاهد القصف والدمار والخوف.
هكذا يدخل العيد إلى المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان… بلا زينة تُذكر، ولا أصوات فرح تشبه ما كان في السنوات الماضية. عيد تُحاصره الحرب من كل الجهات، لكنّ الناس فيه ما زالوا يتمسكون بما تبقّى من صبر وأمل، في انتظار أن يعود للجنوب شيء من الأمان، وللأطفال حقُّهم الطبيعي في الفرح.