يرتدي الأطفال ملابس العيد الجديدة بهمة ونشاط، تعلو ضحكاتهم وهم يتأرجحون بشكل جميل ومفعم بالمحبة والود داخل فناء منزل غرب مدينة غزة، على يمينهم كان شابٌ بابتسامة دافئة يجلس ليراقبهم ويحرص على ألا يسقط أحدهم.
وعلى الرغم من تلك اللحظات الجميلة ومع غروب شمس ثالث أيام عيد الأضحى المبارك، لم تكن الأرجوحة غائبة عن رصد طائرات الاستطلاع الإسرائيلية (الزنانة) التي لم تغادر سماء المدينة المنهكة، وفجأة دون سابق إنذار انقلبت الحياة رأسًا على عقب عندما انقضّ الموت من السماء.
حينما انقلبت الحياة رأسًا على عقب
مزق صاروخُ استطلاعٍ هدوءَ المكان محولاً إياه إلى كتلة من اللهب، تلاه صوت مرعب وتناثرٌ للشظايا والحجارة التي بعثرت الأتربة في عيون المارة، لحظاتٌ مجنونة حتى انقشع غبار الموجة الانفجارية ليكشف عن حجم الكارثة: دماءٌ وإصابات في كل زاوية، وأطفالٌ تخضبت ملابس عيدهم بالدم، وفي المركز من ذلك الوجع.. سقط الشاب سالم قريقع مستهدفاً بشظايا قاتلة.
فورًا تجمع الناس في مكان الاستهداف، ورفعوا المصابين على أكتافهم والدماء كانت تنزف من أجساد الصغار حتى تحولت أرجوحة الأطفال من مكان للفرح إلى بركة من الدم، انتقل المسعفون فورًا إلى المستشفى وهناك كانت الفاجعة.
وثق المصورون الفلسطينيون مشاهد المأساة وبدأوا ينتظرون اسم الشهيد من المصادر الطبية أو المدنيين، في حين كان الصحفي فايز قريقع ومؤمن قريقع يوثقون مكان الاستهداف وفجأة وصلهم خبر كالصاعقة: "سالم قريقع مصاب".
بقلوبٍ تكاد تتوقف، هرع الشقيق وابن الأخ يطويان الأرض نحو المستشفى؛ لكن القدر كان أسرع؛ لم يجدوه في غرف العمليات، بل وجدوه مسجىً بدمه الطاهر داخل ثلاجة الموتى الباردة.
هناك، سقطت هيبة الكاميرات أمام جلال الموت، وانفجر فايز بصرخةٍ هزت أركان المكان، صرخةٍ تلخص وجع غزة بأكملها: "كنت أصورك يا عم وأنا ما بعرفك.. والله ما عرفتك لما تصوّبت.. سامحني يا عم.. الله يرحمك ويجعل مثواك الجنة".
في المقابل جلس الصحفي مؤمن أمام شقيقه يواسي نفسه باكيًا: "الله يرحمك يا خو، كنت نعم السند والأخ والصديق، والله ما فيه أجمل منك"، ليقول: "هذا هو ديدن الاحتلال القتل والاجرام والإرهاب".
سالم زهدي قريقع لحق سالم بوالده الشهيد زهدي الذي يعد واحدا من أبرز الأسماء قبل اندلاع انتفاضة الحجارة 1987، حينما سجل اسمه بماء من الذهب أثناء الهروب الكبير من سجن السرايا المركزي مع ثلة من أبطال المقاومة.
وما أن انقشع الليل وأسدلت الشمس أشعتها حتى انطلقت مسيرة جماهيرية حاشدة لوداع الشهيد سالم في تلك اللحظات المؤثرة كان شقيقه المصور الصحفي مؤمن قريقع يروي للصحفيين تفاصيل المقتلة.
وقال مؤمن بحزن وألم كبيرين: "لم يكن سالم مجرد عابر سبيل في حياة عائلته، بل كان ركيزة الفرح، والشخص الذي يهرع الجميع إليه طلباً للعون والمحبة، خرج ليعايد أخواته، ولم يكن يعلم أن رصاص الموت وقذائفه كانت تتربص به لتقطع صلة الوصل الأخيرة".
وقبل انطلاقه لصلة الأرحام تناول سالم مع شقيقه مؤمن طعام أول أيام العيد المعتاد وهو "الكبدة"، يقول مؤمن: "جلسنا معاً، ضحكنا، ثم انطلقنا في جولة العيد المعتادة لنصل أرحامنا، نزور الإخوة والأخوات، كان دائماً يبحث عن عمل الخير، يصلح بين الناس، ويزرع البهجة أينما حلّ".
منقذ الحياة الذي خذلته الأنفاس
سالم قريقع لم يكن غريباً على ساحات التضحية؛ فهو أحد أعمدة جهاز الدفاع المدني الفلسطيني. بدأت رحلته في صفوف فرق الإنقاذ، والدعم اللوجستي، وإطفاء الحرائق، وطالما ركض صوب النيران ليخمدها، وطالما حفر بأظافره تحت الركام ليعيد الحياة إلى أناس لا يعرفهم.
تعرض سالم للإصابة سابقاً أثناء أداء واجبه الإنساني برفقة زملائه، لكنه عاد للميدان أكثر إصراراً. يحكي شقيقه مؤمن بمرارة اللحظات الأخيرة: "قالوا لنا في البداية إنه أصيب، هرعنا وقلوبنا ترتجف، لكنها لم تكن سوى لحظات قليلة حتى أُعلن استشهاده، كانت الإصابة بليغة جداً، ولم يمهله الموت طويلاً".
الوداع المر
رحل سالم، تاركاً خلفه بقعة دم على رصيف مفترق "بالميرا"، وأطفالاً يتلفتون حول المراجيح يبحثون عن الرجل الذي كان يجلس على الباب ليحميهم.
رحل المنقذ الذي أمضى حياته يطفئ حرائق الآخرين، لتشتعل في قلوب عائلته ومحبيه حرقةٌ لا تنطفئ، شاهدةً على عقيدة احتلال لا يستثني طفلاً، ولا مصلحاً، ولا منقذاً يرتدي بذته الإنسانية.
