قائمة الموقع

منزلة الدولار عالمياً: البعد المالي

2026-05-30T15:41:00+03:00
ترامب يحرق أسعار الدولار
يقلم الكاتب: إبراهيم علوش

كثيراً ما تهوّل وسائل الإعلام الرئيسة في الغرب بأنّ سياسات ترامب الحمائية، واعتباطية قراراته الاقتصادية، واستعداءه لحلفاء الولايات التاريخيين، أدّت إلى هروب رأس المال من الاستثمارات الأميركية، وبالتالي من الدولار، في سياق يعزّز تآكل قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، ومنزلته التي كرّسها اتفاق بريتون وودز بجعله عملةً رسميةً للمنظومة المالية الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. 

ولا شكّ في أنّ المؤشّر القياسي لقيمة الدولار الأميركي في مقابل العملات الأخرى انخفض من أكثر من 109 عشية استلام ترامب الرئاسة في 20/1/2025، إلى أكثر قليلاً من 96 قبيل العدوان على إيران مباشرةً، وهو يراوح ما بين 98-99 منذ بدء العدوان على إيران.  وقد كان 98.89 مثلاً في 29/5/2026.  

معنى المؤشّر هنا هو قيمة الدولار في أيّ لحظة مقارنةً بقيمته سنة 1973، عند انحلال اتفاق بريتون وودز رسمياً، بعد توقّف ربط الدولار الأميركي بالذهب، مع استمرار ربط العملات الأخرى بالدولار، وربط النفط وإخوته بالدولار.  

تعني 109 مثلاً أنّ الدولار أقوى بـ 9% من قيمته سنة الأساس، 1973.  وتعني 96 أنّ قيمته أضعف بـ 4% مقارنة بقيمته في تلك السنة.  والعبرة أنّ ترامب، منذ وصل إلى سدّة البيت الأبيض، أشرف على عملية إضعاف منهجية للدولار، متعمّداً أو غير متعمّد، وأنّ ذلك الاتجاه للانخفاض انعكس، بالمجمل، منذ بدء العدوان على إيران، لكنّ ذلك ليس الاتجاه التاريخي. 

ويستند هذا المؤشّر المسمّى The US dollar index إلى قيمة الدولار مقابل سلّة من العملات الرئيسة مثل اليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني والدولار الكندي والفرنك السويسري والكرونا السويدي.  وهو بهذا، يعاني، كمؤشّر، من عدم اشتماله على عملتي شريكين تجاريين مهمين للولايات المتحدة هما يوان الصين وبيزو المكسيك.  

فهو مؤشّر يعبّر عن منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية القديمة، المتمركزة غربياً، أكثر مما يعبّر عن تلك الصاعدة، أو السائدة حالياً، أي أنه لم يعد يؤشّر بدقة كافية على منزلة الولايات المتحدة النسبية ودولارها في موازين الاقتصاد العالمي، وإن كان لا يزال مؤشّراً مهماً بمقدار ما تستمر الهيمنة الغربية.    

لكنه، في المقابل، مؤشرٌ يضمّ عملات أهمّ شركاء الولايات المتحدة الاستثماريين حالياً، مثل دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا واليابان.  وهذا يعني أنّ مؤشّر قيمة الدولار مقابل العملات الأخرى، والذي كان يفترض أنه يقيس أداءه في مقابل شركاء الولايات المتحدة التجاريين، بات مؤشّراً مالياً، أكثر مما هو مؤشّرٌ تجاري أو اقتصادي صرف.  وسنعود إلى البعد المالي لقيمة الدولار بعد قليل.  

نعيش حالياً تأرجحاً في قيمة الدولار والذهب والنفط صعوداً وهبوطاً على إيقاع التوترات في مضيق هرمز،  وأنباء الانفراج والتعسّر في المفاوضات بين طهران وواشنطن، وما تسفر عنه بشأن توقّعات التضخّم ورفع الفائدة الأميركية وتفاقم عجز الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق الحربي بالذات.       

وبعيداً عن مضيق هرمز، وفي صلب الاتجاه التاريخي، تشير إحصاءات الاستثمار المالي إلى ارتفاعٍ في الأصول الأميركية لعام 2025، بحسب البيانات التي نشرتها وزارة الخزانة (أو المالية) الأميركية في 18/2/2026. 

تظهر بيانات وزارة المالية الأميركية إذاً زيادة صافية في مشتريات المستثمرين الأجانب من أسهم الشركات الأميركية بمقدار 720.1 مليار دولار في 2025، بارتفاع يبلغ 134% عن سنة 2024 حين اشترى المستثمرون الأجانب 307.5 مليارات دولار من الأسهم الأميركية أكثر مما اشترى المستثمرون الأميركيون أسهماً في الشركات غير الأميركية.  

ويمثّل ذلك طلباً إضافياً صافياً على الدولار الأميركي بقيمة 720.1 ملياراً سنة 2025.  

المذهل بصورة أكبر هو ما تكشفه بيانات وزارة الخزانة الأميركية من زيادة صافية في مشتريات المستثمرين الأجانب من السندات الحكومية وأذونات الخزينة الأميركية بمقدار 442.7 مليار دولار سنة 2025، على الرغم من كلّ التهويل بشأن تخلّي العالم عنها.  وهذا سبق الإقبال عليها نتيجة ارتفاع عوائدها عشية الحرب على إيران مؤخراً.  

تضافرت تلك التدفّقات، مع غيرها، مثل الاستثمار الأجنبي المباشر في المنشآت الإنتاجية، كي تنتج إضافة صافية بمقدار 1.55 تريليون دولار من الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة سنة 2025، وبالتالي طلباً على الدولار بالمقدار ذاته.

وسبقت الإشارة في مادة أخرى عن تشظّي العولمة  إلى أنّ الإحصاءات التي نشرها مكتب "الأونكتاد" UNCTAD التابع للأمم المتحدة، في 20/1/2026، أشارت إلى أنّ الولايات المتحدة (وفرنسا وكوريا الجنوبية)، كانت من أكبر متلقّي الاستثمارات الأجنبية المباشرة سنة 2025، وخصوصاً في ميادين مراكز البيانات وتصنيع أشباه الموصلات.

وتشير مراجع شتى إلى أنّ الاستثمار الأجنبي المباشر في الولايات المتحدة الأميركية بلغ نحو 288 مليار دولار سنة 2025، ذهب كثيرٌ منه للاستثمار في تصنيع أشباه الموصلات، ومراكز البيانات، وفي مجال الكيماويات وتصنيع الآلات، في حين انخفض الاستثمار الأجنبي في مجال الطاقة المتجدّدة نتيجة تشريعات أميركية جديدة خفّفت الحوافز للاستثمار فيها.

يعزّز ذلك ميل رؤوس الأموال السائلة، أو الاستثمارات قصيرة المدى، لشراء أسهم الشركات الأميركية المعنية بالتكنولوجيا، مثل ميكروسوفت ونيفيديا وأمازون وتسلا وأبل وغوغل وميتا، إضافةً إلى شركات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتوسّع الرقمي عموماً، ناهيك بأسهم شركات قوية تقليدياً مثل مصرف جي بي مورغان تشيس وشركة لوكهيد مارتن للصناعات العسكرية.  واجتذبت أسهم مؤسستان مصرفيتان وحدهما، هما فاني ماي وفريدي ماك، نحو 113 مليار دولار. 

كان هناك إقبال على الدولار في العام الفائت إذاً، الأمر الذي يعدّه البعض مثالاً على "الاستثنائية الأميركية" التي تجعل الرياح تجري كما تشتهي السفن الأميركية، لا كما يملي المنطق الاقتصادي الذي يفترض أنه يدعم استنتاجات وسائل الإعلام الليبرالية المستاءة من ارتداد ترامب واليمين الشعبوي عن مشروع العولمة. 

وكان يفترض أن يهرب رأس المال Capital Flight من الاستثمارات الأميركية (وبالتالي من الدولار)، بناءً على الحكمة السائدة، لكنّ ما حدث كان غير ذلك.   

لكنّ تيار تشقّق العولمة بحسب خطوط التصدّع الجغرافية السياسية ما برح يثبت نفسه.  فالـ 1.55 تريليون دولار هي صافي ما دخل الولايات المتحدة سنة 2025، أي مجمل ما دخل ناقصاً ما خرج.  ويسجّل هنا أنّ الصين وحدها تخلّصت من نحو 209 مليارات دولار من الأصول الأميركية طويلة المدى، ولا سيما أذونات الخزينة الأميركية، وكانت بائعاً صافياً لأكثر من 34 مليار دولار من أسهم الشركات الأميركية.  

نلاحظ، في المقابل، أنّ معظم الأموال المستثمرة في الأصول الأميركية سنة 2025 جاءت من أوروبا، بقيمة 872.9 مليار دولار، و84.4 مليار دولار من كندا، و56 ملياراً من اليابان.  ويبرز هنا بوضوح اسم جزر كايمان التي ورد منها 288 مليار دولار إلى الولايات المتحدة سنة 2025.

وتعدّ جزر كايمان من أبرز الواحات الضريبية في العالم (0% ضريبة على الدخول والأرباح والمواريث)، وتتخذها عددٌ من الشركات متعدية الحدود مقراً، وكثيرٌ من الأثرياء، وبالتالي أصبحت مقراً رئيساً لرأس المال المالي الدولي، وكانت تاريخياً في قائمة أبرز مرافئ غسيل الأموال.  وتقع الجزر في الكاريبي، جنوبي كوبا، وشمال غربي جامايكا.  وهي محمية بريطانية.  

العبرة أنّ الـ 277 مليار دولار التي وردت الولايات المتحدة سنة 2025 جاءت من رأس المال المالي المعولم.

وينسجم تدفّق الاستثمارات الأجنبية إلى الولايات المتحدة مع ما جرت الإشارة إليه في مادة "منزلة الدولار الأميركي عالمياً: تحديث 2026" من أنّ انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسة الأخرى يمثّل عنصراً جاذباً للاستثمارات الأجنبية، المالية والمادية.

وقد تصاعد هذا الاتجاه في السنوات الفائتة، ويملك الأجانب نحو 18% من الأسهم الأميركية، بقيمة تبلغ 20.8 تريليون دولار مع بداية سنة 2026.  كما يملكون 33% من أذونات الخزينة الأميركية، و27% من سندات الشركات الأميركية.  ويمثّل ذلك كلّه عاملاً كابحاً لتسارع هبوط الدولار الأميركي.  

كذلك ساعد هبوط الدولار في زيادة الصادرات سنة 2025 بنحو 200 مليار دولار، تماماً كما خطط ترامب.  ويمثّل ذلك أيضاً عاملاً كابحاً لهبوط الدولار، لأنّ الصادرات الأميركية تمثّل طلباً أجنبياً على الدولار الأميركي، ولأنّ زيادة الصادرات خفّفت من وطأة العجز في التجارة الخارجية.  وهو هدف ما يسمّى "اتفاق مارلارغو" بداية سنة 2025 لإضعاف الدولار بصورة متعمّدة.   

لكنّ انخفاض الدولار لم يؤدِ إلى انخفاض الواردات بما يكفي كما يفترض بموجب المنطق الاقتصادي.  على العكس تماماً، ازدادت الواردات إلى الولايات المتحدة بنحو 198 مليار دولار سنة 2025، لتشطب جلّ الزيادة في الصادرات.

ويقول "مكتب التحليل الاقتصادي" BEA، الأميركي الرسمي، في تقرير نشر في موقعه في 19/2/2026،  إنّ زيادة الواردات جاءت نتيجة العوامل الآتية:

1 – محاولة المنتجين الأجانب إيصال أكبر قدر من البضائع داخل الحدود الأميركية قبل حلول موعد العمل  بالتعريفات الجمركية الجديدة.

2 – الاسثتمار المكثّف في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي أدّى إلى اشتداد وتيرة استيراد الحواسيب ومكمّلاتها، وأشباه الموصلات، وخصوصاً من تايوان التي ازدادت الواردات منها بمقدار 85 مليار دولار سنة 2025.

3 – ازدياد استيراد المنتجات والمكمّلات الدوائية، ومنها الأدوية المخفّضة للوزن، من الخارج، وخصوصاً من إيرلندا وألمانيا.  

4 – ارتفاع شراء الإلكترونيات الشخصية والمنزلية من الخارج، والألبسة، من جرّاء حيوية سوق الاستهلاك الأميركية، والتسهيلات الائتمانية.

يمكن القول، بناءً على هذا التقييم، إنّ عوامل ارتفاع الواردات إلى السوق الأميركية سنة 2025 تنقسم إلى نوعين: عوامل ظرفية، مثل مسابقة التعريفات الجمركية، وتأسيس مراكز البيانات، وعوامل بنيوية، مثل استيراد المنتجات الدوائية والإلكترونية والنسيجية.

أما العوامل الظرفية، فقصيرة المدى، من المرجّح أن يختفي تأثيرها في السنوات المقبلة، وهي لا تناقض أبجديات نظرية التجارة الدولية بأنّ البلد الذي تزداد عملته ضعفاً تقلّ وارداته، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة.  على العكس من ذلك، تعاند العوامل البنيوية تلك النظرية وتؤشّر على أنّ تحقّقها يتطلّب عملةً أضعف، أو رسوماً جمركية أعلى، أو كلاهما، إذا كان الهدف هو استبدال الواردات بمنتجات محلية. 

في جميع الأحوال، يشكّل ميل ترامب لإضعاف الدولار، وخصوصاً من خلال إصراره على تخفيض معدّل الفائدة، على خلفيّة نزوع الدولار للانخفاض أصلاً نتيجة عوامل بنيوية مثل عجوزات الميزان التجاري والموازنة الحكومية وتزايد الدين العامّ ونسبته من الناتج المحلي الإجمالي، كابوساً بالنسبة إلى المصارف وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة.

فالدولار الضعيف يرفع أسعار الواردات تلقائياً، وأسعار المدخلات الإنتاجية والسلع الوسيطة المستوردة، وبالتالي يرفع معدل الأسعار ككلّ.  ويشكّل هذا مشكلة بمقدار ما يعجز البلد المستورد عن استبدال الواردات بمنتجات محلية أرخص، أو إذا أدت الحماية الجمركية من الواردات إلى دفع المنتِج المحلي إلى رفع أسعار منتجاته في غياب المنافسة الأجنبية.

وكثيراً ما تطرح هذه الحجة في صيغة دفاع عن المستهلك والمواطن العادي ومستوى معيشته.  لكنْ، عندما ترى وسائل الإعلام الرئيسة المملوكة من طرف الشركات الكبرى "تدافع" عن مستوى معيشة المواطن، وتسوّق الحسّ القومي الأميركي دفاعاً عن منزلة الدولار دولياً، اعلم أنّ وراء الأكمة ما وراءها، لأنّ المعني بموضوع الضغوط التضخّمية التي يسبّبها انخفاض الدولار فعلياً هو المؤسسات المالية المصرفية وغير المصرفية التي تتآكل القيمة الحقيقية للفوائد المؤجّلة التي تجنيها من نشاطاتها، ومالكو الكتل النقدية الضخمة والسائلة التي تتآكل قيمتها مع الزمن. 

يدخل ترامب هنا في صدام غير مأمون العواقب سياسياً مع رأس المال المالي الدولي، وعنوان ذلك الصدام لا يقتصر على موقفه المناوئ للعولمة، بل على مسألة تمسّه بصورة أقرب من حبل الوريد هي قيمة رأس المال المالي ذاته، والذي يشكّل التضخّم عدوه اللدود كما الجراد للزرع.

وعندما تسمع العويل على "استقلالية المصرف المركزي"، والسياسات الاعتباطية، وصلاحيات الكونغرس، وأثر التضخّم في مستوى معيشة المواطن، وإلى ما هنالك مما يجري تداوله ضدّ ترامب في وسائل الإعلام الغربية، اعلم أنّ الموضوع، في الجوهر، هو تضارب سياسات ترامب مع مصلحة رأس المال المالي، أي رأس المال الذي يعيش من "الورق"، الأسهم والسندات والمتاجرة بالسيولة النقدية وتحويلها من شكل إلى آخر.

على الرغم من ذلك كلّه، من السابق لأوانه بكثير الحديث عن انهيار الدولار إلى درجة تزحزحه عن عرش العالم المالي والنقدي، وإن كان الاتجاه الانحداري واضح في المدى الطويل.  فإذا نجح مشروع ترامب التصنيعي، وخصوصاً في التكنولوجيا المتقدّمة، وازدادت الصادرات الأميركية، فإنّ ذلك سيؤخّر ذلك الاتجاه طبعاً.  

وما دامت السلع الرئيسة في العالم، وعلى رأسها النفط والغاز، تسعّر بالدولار، والأسواق المالية تلهج بالدولار، وما دامت الإدارة الأميركية قادرة على تقويض الدول والحركات المستقلة، وما دام أيّ مشروع عالمي بديل غائباً حقيقةً، على الرغم من سعي روسيا والصين إلى تحقيق تعدّدية قطبية، كانتا تتمنّيان لو أنّ الولايات المتحدة تسمح لهما أن تحقّقاها تحت جناح العولمة، فأبشر بطول سلامةٍ يا "دولار"!        

 والخلاصة هي أنّ زعزعة هيمنة الدولار لن تتحقّق بالأدوات المالية وحدها، أو بمنافسته في ملعبه فحسب، بل لا بدّ من حركات تحرّر عالمياً، وأطر تعاون اقتصادي بديلة خاصة بالجنوب العالمي، أي لا بدّ من إعادة إحياء الحركة المناهضة للإمبريالية عالمياً، لأننا، من المنظور العالمي، لا نزال في حالة دفاع عن الدول والقوى المستقلة إقليمياً، وهذا أضعف الإيمان طبعاً، لكنه بعيدٌ جداً عن إحداث تغيير حقيقي في العلاقات الاقتصادية الدولية. 

اخبار ذات صلة