قائمة الموقع

خيام النازحين وبقايا المجلس التشريعي

2026-06-01T10:13:00+03:00
المجلس التشريعي الفلسطيني.jpg

بقلم: شريف الهركلي

في الحروب لا تتغير الجبهات وحدها، بل تتغير بنية الوطن نفسها. فالحرب لا تستهدف الأرض فقط، بل تمتد لتصيب الرموز والمؤسسات والمعاني، وكأنها تحاول إعادة تشكيل الوعي الجمعي لشعبٍ يعيش بين الألم والذاكرة.

المجلس التشريعي الفلسطيني، بوصفه أحد أهم ركائز النظام السياسي الفلسطيني، دخل حالة شلل طويلة منذ الانقسام، فتراجعت وظيفته التشريعية والرقابية، وغابت معه أحد أهم أدوات ضبط الحياة السياسية. ومع مرور الوقت، لم يعد تعطله مجرد أزمة سياسية، بل تحول إلى مؤشر على تعمّق الانقسام وتآكل البنية المؤسسية للسلطة الفلسطينية.

الحرب الأخيرة جاءت لتضيف بعداً أكثر قسوة، إذ لم يقتصر الأمر على تعطيل المؤسسة، بل طال أيضاً ما تبقى من رمزيّتها ومكانها في غزة، في مشهد يعكس حجم الانكشاف الذي وصلت إليه الحالة الفلسطينية، حيث تتقاطع الحرب الخارجية مع الانقسام الداخلي في إنتاج فراغ سياسي ومؤسساتي واسع.

في المقابل، تمتد خيام النازحين كواقع اجتماعي وسياسي بديل، لا بوصفها مجرد مأوى مؤقت، بل باعتبارها تعبيراً عن حالة انهيار في منظومة الحماية والاستقرار. هناك، تتقدم الحاجة اليومية على أي إطار مؤسسي، ويتراجع حضور الدولة لصالح واقع إنساني ضاغط يعيد تعريف الأولويات.

من منظور سياسي، لا يمكن فصل تعطّل المجلس التشريعي عن تراجع منظومة الحكم ككل، إذ أن غياب المؤسسة التشريعية يعني عملياً اختلال مبدأ الفصل بين السلطات، وغياب الرقابة والمساءلة، وهو ما يترك أثره المباشر على حياة المواطنين وعلى بنية النظام السياسي بأكمله.

ومن مواصي خانيونس إلى غزة، يتجلى المشهد كصورة مركبة: بقايا مبانٍ كانت تمثل يوماً مركز القرار التشريعي، وبجانبها خيام ممتدة تختصر واقع النازحين، وكأن المكان نفسه يعكس انتقالاً قسرياً من “الدولة كمفهوم” إلى “الخيمة كواقع”.

السؤال هنا لم يعد فقط: هل يمكن إعادة تفعيل المجلس التشريعي؟

بل أصبح أعمق من ذلك: ما شكل النظام السياسي الفلسطيني في ظل استمرار الانقسام، واستمرار الحرب، وتراجع المؤسسات الجامعة؟
إن عودة المجلس التشريعي، إن حدثت، لن تكون مجرد استعادة لمبنى أو جلسة، بل اختباراً حقيقياً لإمكانية إعادة بناء النظام السياسي على أسس من الشراكة والتمثيل والمساءلة. أما استمرار غيابه، فيعني ترسيخ واقع تتقدم فيه إدارة الأزمة على حساب بناء الدولة.

بين خيام النازحين وبقايا المجلس التشريعي، يقف الفلسطيني أمام معادلة صعبة:

حاجة يومية ملحّة للبقاء، مقابل حاجة وطنية مؤجلة لبناء مؤسسات قادرة على حماية هذا البقاء.

وفي النهاية، يبقى المشهد مفتوحاً على سؤال جوهري لا يجيب عنه الدمار ولا الخيام:

هل يمكن لوطنٍ يعيش تحت الضغط الدائم أن يعيد إنتاج مؤسساته، أم أن الأزمة أصبحت هي الشكل الدائم للدولة؟

اخبار ذات صلة