غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور بين ظلام البصر ونور الوفاء.. وسام الغزية تتمسك بزوجها المريض وتناشد العالم لإنقاذه

وسام زوجة المريض محمد صابر.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

في قلب المعاناة التي يعيشها أهالي غزة، تبرز قصص إنسانية تختصر معنى الحب والصبر والوفاء، قصص لا تُقاس بحجم الألم فقط، بل بقدرة أصحابها على التمسك بالأمل رغم قسوة الظروف، ومن بين هذه القصص، تقف وسام، السيدة الفلسطينية التي فقدت جزءاً كبيراً من بصرها مع مرور السنوات، لكنها لم تفقد بصيرتها ولا قدرتها على الحب والعطاء.

وسام، وهي زوجة محمد صابر، تعيش اليوم معاناة مركبة تجمع بين مرضها البصري المتفاقم، وظروف الحرب القاسية، ومرض زوجها المزمن الذي يهدد حياته في أي لحظة، ورغم كل ذلك، لا تزال تقف إلى جانبه، تسانده وتمنحه القوة والأمل، مؤمنة بأن الحب الحقيقي لا يُقاس بالصحة أو المال، بل بالوفاء في أصعب اللحظات.

هذه الحكاية ليست مجرد قصة زوجة مخلصة لزوجها، بل شهادة حية على قدرة الإنسان الفلسطيني على الصمود في وجه الألم والفقدان والحصار، وتمسكه بالحياة مهما اشتدت الظروف.

رحلة فقدان البصر

تقول وسام إن معاناتها مع النظر بدأت منذ طفولتها، حيث كانت تعاني من مشكلة بسيطة في العينين، لكنها لم تكن تتوقع أن تتفاقم حالتها مع مرور السنوات.

وتوضح أن المشكلة بدأت تكبر تدريجياً بعد إنهاء دراستها، ثم ازدادت بشكل ملحوظ بعد الزواج، حتى أصبحت تعتمد بشكل كبير على اللمس أكثر من اعتمادها على النظر.

ورغم تراجع قدرتها على الإبصار، لم تسمح لإعاقتها بأن تقف حاجزاً بينها وبين ممارسة حياتها أو رعاية زوجها وأسرتها، بل أصبحت تتعامل مع واقعها الجديد بقوة وصبر، مستندة إلى إيمانها بالله وإرادتها الصلبة.

زوج أنهكته الأمراض والحرب

أما زوجها محمد صابر، فيعاني من سلسلة طويلة من المشكلات الصحية المعقدة. فهو مصاب بضعف شديد في عضلة القلب، إضافة إلى تجمع السوائل على القلب والصدر، وهي حالة تتطلب متابعة طبية مستمرة وعلاجاً دائماً.

كما تعرض لإصابات مباشرة خلال الحرب أدت إلى تفاقم وضعه الصحي، إلى جانب معاناته من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم بشكل مزمن، الأمر الذي جعل حالته أكثر تعقيداً وخطورة.

وتؤكد وسام أن زوجها يحتاج إلى أدوية متخصصة بشكل دائم، وأن انقطاع العلاج قد يؤدي إلى عودة تجمع المياه على القلب والصدر، ما قد يشكل خطراً مباشراً على حياته.

اثنا عشر عاماً من الحب والوفاء

وسام زوجة المريض محمد صابر 1.jpg
 

تستعيد وسام ذكريات زواجها الذي امتد لأكثر من اثني عشر عاماً، مؤكدة أن علاقتها بزوجها لم تكن مجرد علاقة زوجية عادية، بل كانت علاقة قائمة على الحب الحقيقي والاحترام المتبادل.

وتقول إن زوجها اختارها رغم ظروفها الصحية وضعف بصرها، الأمر الذي جعلها تشعر دائماً بالفخر والامتنان له.

وتضيف: "هذا الإنسان ليس مجرد زوج بالنسبة لي، هو أبي وأخي وصديقي وكل حياتي. لم أشعر يوماً أنه نظر إلى إعاقتي أو تعامل معها كعائق، بل منحني الحب والاحترام والثقة."

وتتابع حديثها بحرقة: "إذا غاب عني ساعة واحدة أشعر أن شيئاً من روحي قد غاب معه، وعندما أسمع صوته أشعر بالطمأنينة والراحة."

الفن والموسيقى وسيلة للحياة

خلال سنوات إقامتها في مصر، درست وسام الموسيقى وطورت موهبتها في الغناء، حيث كانت تمتلك صوتاً جميلاً شجعها أهلها وأشقاؤها على تنميته.

وتروي أنها شاركت بالغناء في فعاليات وأماكن مختلفة، وأن الموسيقى كانت دائماً وسيلتها للتعبير عن مشاعرها وتجاوز الصعوبات.

ولم تتخل عن هذه الموهبة حتى في أصعب الظروف، بل استخدمتها كوسيلة لدعم زوجها نفسياً خلال فترات مرضه الطويلة.

أغنية أعادت الابتسامة إلى قلب مريض

ومن أكثر المواقف التي لا تنساها وسام، تلك اللحظة التي كانت فيها إلى جانب زوجها داخل المستشفى عندما ساءت حالته الصحية بشكل كبير بسبب تجمع المياه على القلب والصدر.

تقول إنها دخلت عليه فوجدته متعباً وحزيناً ويعاني من آلام شديدة، وعندما سأل الأطباء عنه أشار إليها قائلاً: "هذه زوجتي."

سأل الأطباء عن الأشياء التي تجعله يشعر بالسعادة والراحة، فكانت الإجابة أن أكثر ما يحبه منها هو غناؤها له.

في تلك اللحظة، نسيت وسام وجود الأطباء من حولها، وبدأت تغني لزوجها الأغاني التي يحبها. وما هي إلا دقائق حتى بدأت ملامح وجهه تتغير وارتسمت الابتسامة على شفتيه.

وتقول: "اندهش الأطباء من تأثير ذلك عليه، فقد شعر بالراحة والهدوء وبدأ يتفاعل معنا. كنت أريد فقط أن أرفع عنه الألم ولو للحظات".

حرب واستشهاد وفقدان وتحديات لا تنتهي

وسام زوجة المريض محمد صابر.jpg
 

لم تكن الأمراض وحدها ما أثقل كاهل الأسرة، فالحروب المتكررة على قطاع غزة تركت آثاراً قاسية على حياتهم.

تتحدث وسام عن سنوات طويلة من التنقل والمعاناة والضغوط النفسية، وعن فقدان الأحبة وما خلفته الحرب من أوجاع مستمرة.

كما تسببت الظروف الاقتصادية الصعبة بزيادة الأعباء عليهم، خاصة مع ارتفاع أسعار الأدوية وصعوبة الحصول عليها في ظل النقص الحاد الذي تعاني منه المستشفيات.

وتوضح أن جزءاً كبيراً من دخل الأسرة يذهب لتغطية تكاليف العلاج والإيجار والاحتياجات الأساسية، فيما تبقى الاحتياجات الطبية أكبر من إمكاناتهم بكثير.

معاناة يومية مع الدواء

تؤكد وسام أن أكثر ما يقلقها اليوم هو عدم قدرتها على توفير الأدوية الأساسية التي يحتاجها زوجها للبقاء على قيد الحياة.

وتقول إنها ذهبت مراراً إلى الصيدليات بحثاً عن بعض الأدوية المطلوبة، لكنها فوجئت بارتفاع أسعارها وعدم قدرتها على شرائها.

وتضيف أن بعض الأدوية غير متوفرة أصلاً في المستشفيات بسبب ظروف الحرب والحصار، بينما يحتاج زوجها إلى استخدامها بشكل دائم ومنتظم.

وتتابع: "أخبرنا الأطباء أن توقف العلاج قد يؤدي إلى تدهور خطير في حالته الصحية، وأنا أقف اليوم عاجزة أمام هذه المسؤولية الكبيرة."

جيران وأهل يساندونها

ورغم ظروفها الصحية الصعبة، تحرص وسام على البقاء بجوار زوجها وخدمته ورعايته قدر المستطاع.

وتوضح أنها تعتمد في تنقلاتها على مساعدة الجيران والأقارب بسبب ضعف بصرها، وأن الجميع يحاول مساعدتها عندما تضطر للخروج من المنزل أو مراجعة المستشفيات والصيدليات.

وتقول: "الجيران لا يقصرون معي، يساعدونني عندما أحتاج للخروج، لأنهم يعرفون أنني أريد العودة إلى زوجي بأسرع وقت."

توجه وسام نداءً إنسانياً إلى المؤسسات الصحية والإنسانية والجهات المعنية حول العالم للعمل على توفير فرصة علاج مناسبة لزوجها خارج قطاع غزة، وتمكينه من الحصول على الرعاية الطبية التي يحتاجها.

وتؤكد أن استمرار الوضع الحالي يهدد حياته، خاصة في ظل نقص الأدوية وصعوبة الوصول إلى العلاج المتخصص.

قصة وسام ومحمد ليست مجرد حكاية مرض ومعاناة، بل قصة حب استثنائية صمدت أمام الإعاقة والحرب والفقر والمرض. قصة امرأة فقدت جزءاً من بصرها لكنها احتفظت بقلب يرى ما لا تراه العيون، ورجل أنهكته الأمراض لكنه وجد في زوجته سنداً ورفيقة درب لم تتخل عنه يوماً.

وسام زوجة المريض محمد صابر 2.jpg