مع تصاعد التصريحات الإسرائيلية الأخيرة بشأن توسيع السيطرة العسكرية على قطاع غزة، تتزايد مخاوف مئات آلاف الفلسطينيين من فقدان ما تبقى من مساحات يمكن اللجوء إليها، في ظل حرب مستمرة أنهكت البشر والحجر.
فبعد إعلان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتوجيه الجيش للسيطرة على ما يصل إلى 70% من مساحة القطاع، عاد شبح النزوح القسري ليخيم من جديد على حياة السكان الذين تنقلوا مرات عديدة بين شمال القطاع ووسطه وجنوبه بحثاً عن مكان آمن.
واقع إنساني مرير ومساحات تتقلص
تأتي هذه التصريحات في وقت يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني أوضاعاً إنسانية بالغة الصعوبة، وسط اكتظاظ غير مسبوق في مناطق النزوح، وتراجع الخدمات الأساسية، واستمرار القصف والعمليات العسكرية في مناطق مختلفة من القطاع.
وبينما تتقلص المساحات المتاحة للسكان يوماً بعد يوم، يطرح المواطنون تساؤلات مصيرية حول مستقبل وجودهم داخل غزة، والمكان الذي يمكن أن يلجأوا إليه إذا ما توسعت السيطرة العسكرية على أجزاء إضافية من القطاع. ويؤكد مراقبون أن الحديث عن السيطرة على 70% من مساحة غزة لا يقتصر على البعد العسكري فحسب، بل ينعكس بشكل مباشر على الواقع الإنساني للسكان، خصوصاً مع استمرار حركة النزوح المتكررة وغياب أي مناطق آمنة بشكل حقيقي.
شهادات من قلب المعاناة: "وين بدنا نروح؟"
مع كل إعلان جديد عن توسيع العمليات البرية، تتجدد معاناة العائلات التي فقدت منازلها وأماكن استقرارها، وأصبحت تعيش حالة من القلق الدائم والخوف من مستقبل مجهول.
أحمد خليل (نازح من مدينة غزة): "من بداية الحرب نزحنا أكثر من مرة، من الشمال للوسط ومن الوسط للجنوب. وعندما نسمع حديث عن السيطرة على 70% من غزة نسأل حالنا: وين بدنا نروح؟ ما ضل مكان، المدارس مليانة، الخيام فوق بعضها، وحتى الأماكن اللي كانوا يقولوا عنها آمنة صارت تتعرض للقصف. إحنا مش خايفين بس من النزوح، إحنا خايفين من فكرة إنه ما يكون إلنا مكان أساساً".
أم نادر (نازحة من شمال القطاع): "أطفالي كل يوم يسألوني متى نرجع على بيتنا، وأنا ما عندي جواب. إذا كانت المساحات المتبقية للسكان عم تتقلص، وين ممكن نعيش؟ صار النزوح بالنسبة إلنا رحلة مستمرة من التعب والخوف والانتظار. اليوم أكبر هاجس عند الناس مش بس الأكل والشرب، أكبر هاجس إنه يلاقوا بقعة أرض يحطوا فيها خيمة".
جهاد محمود (نازح من مدينة بيت حانون): "كل مرة يتم فيها إصدار أوامر إخلاء بنشوف آلاف العائلات على الطرقات، الناس تعبت من حمل أغراضها والانتقال من مكان لمكان. إذا صار في سيطرة على مساحات أكبر، فهذا يعني ازدحام أكثر ومعاناة أكبر، خاصة في ظل نقص المياه والخدمات وانتشار الأمراض داخل مراكز الإيواء".
الأبعاد السياسية وحسابات البقاء في السلطة
في المقابل، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي، عادل ياسين، أن تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن توسيع مناطق السيطرة في قطاع غزة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الداخلي في إسرائيل، حيث تتقاطع اعتبارات الحرب مع حسابات البقاء في السلطة، خصوصًا في ظل الضغوط التي يواجهها الائتلاف الحاكم من أحزاب اليمين المتطرف.
ويضيف ياسين في حديثه لـ"شمس نيوز" أن تصريحات نتنياهو عن توسيع السيطرة أو تثبيت وقائع ميدانية جديدة تعكس في جوهرها محاولة لتفادي استحقاقات أي مرحلة انتقالية في التفاهمات أو الاتفاقات، لاسيما تلك المتعلقة بالانسحاب التدريجي من مناطق داخل القطاع، وهو ما يُنظر إليه داخل الدوائر السياسية الإسرائيلية باعتباره خطوة شديدة الكلفة على مستقبل نتنياهو السياسي.
وبحسب مبادرة السلام التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن إسرائيل تحتفظ بما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي يشمل نحو 52% من مساحة القطاع. كما يرى ياسين أن رئيس الحكومة الإسرائيلية يوظف استمرار العمليات العسكرية كأداة لإدارة توازناته الداخلية، عبر تلبية سقف توقعات التيار اليميني المتشدد الذي يضغط باتجاه سياسات أكثر حدة، سواء في غزة أو الضفة الغربية، وهو ما يجعل القرار السياسي والأمني متداخلين إلى حد كبير في هذه المرحلة.
خيارات محدودة وصمت دولي
وفي المقابل، يشير ياسين إلى أن الفصائل الفلسطينية تتحرك ضمن هامش محدود من الخيارات، في ظل اختلال ميزان القوة العسكري، مع اعتمادها على الصمود وإدارة المواجهة أكثر من القدرة على فرض معادلات جديدة، بينما تبقى ورقة التفاوض عبر الوسطاء هي المسار الأكثر فاعلية من الناحية السياسية.
أما على المستوى الدولي، فيؤكد أن حالة الصمت أو التحرك المحدود من قبل الأطراف الفاعلة تعكس رغبة في احتواء التصعيد لا حسمه، وهو ما يتيح لإسرائيل مساحة أوسع للمناورة، ويجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات استمرار التوتر دون الوصول إلى تسوية مستقرة.
هواجس المستقبل والمصير المجهول
الخوف المشترك بين جميع النازحين يتلخص في انعدام الخيارات الجغرافية المتبقية، وهو ما تؤكده بقية الشهادات من الميدان:
محمود جبر (نازح من منطقة شرق غزة): "منذ بداية الحرب وإحنا ننتقل من مكان لمكان، واليوم لما نسمع عن السيطرة على 70% من غزة بصير عندنا خوف أكبر، لأنه فعلياً ما ضل أماكن للنزوح. الناس صارت تعيش في خيام متلاصقة، وإذا طلبوا منا ننزح مرة ثانية مش عارفين وين ممكن نروح".
خديجة محمد (نازحة من بيت لاهيا): "أكبر مخاوفنا اليوم مش بس القصف، لكن إنه ما يكون في مكان نلجأ له. نزحنا أكثر من مرة وخسرنا بيتنا وكل شيء، والمناطق المتبقية مكتظة جداً. كل عائلة تسأل السؤال نفسه: إذا ضاقت غزة أكثر، وين بدنا نعيش؟"
في ظل هذه التطورات، تبقى مخاوف السكان مرتبطة بسؤال واحد يتردد في كل خيمة ومركز إيواء وشارع مكتظ بالنازحين: أين يمكن أن يذهب الناس إذا ضاقت بهم الأرض أكثر؟
فبعد أشهر طويلة من النزوح المتكرر وفقدان المنازل والأحياء السكنية، لم تعد القضية مرتبطة فقط بالبحث عن مأوى مؤقت، بل أصبحت مرتبطة بحق الإنسان في البقاء داخل أرضه وعدم التحول إلى حالة دائمة من التشريد. ومع استمرار الحديث عن توسيع نطاق السيطرة العسكرية داخل القطاع، تتعمق المخاوف من أن تصبح المناطق المتبقية للسكان غير قادرة على استيعاب الأعداد الهائلة من النازحين، في وقت تتراجع فيه الإمكانات الإنسانية والخدمات الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة.
بين تصريحات السياسة وواقع الميدان، يقف أهالي غزة أمام مستقبل غامض، يحمل مزيداً من الأسئلة حول المصير والمأوى وإمكانية الحياة في قطاع تتقلص مساحاته يوماً بعد يوم. ويبقى المشهد الأكثر قسوة هو مشهد العائلات التي تحمل ما تبقى من متاعها على عربات متهالكة أو فوق أكتافها، متنقلة من منطقة إلى أخرى بحثاً عن مساحة صغيرة توفر قدراً من الأمان.