الكاتب الصحفي والمحلل السياسي: جلال نشوان
ابتزازٌ رخيص يمارسه سيد البيت الأبيض “الرجل البرتقالي” دونالد ترامب، يقوم على معادلة مفادها: إذا أردتم وقف الحرب مع إيران فعليكم الانضمام إلى اتفاقيات “أبراهام”.
وفي الحقيقة، باءت كل محاولات ترامب بالفشل الذريع لعدة أسباب، من أبرزها أن القضية الفلسطينية متجذّرة في الوجدان الشعبي العربي، ولا يمكن فصلها عن الوعي الجمعي مهما تغيّرت حسابات السياسة أو جرى التذرع بالتهديد الإيراني. فهذه الطروحات لا تنطلي على الجماهير العربية التي نشأت على حب فلسطين والوقوف إلى جانب شعبها في مواجهة الاحتلال.
ومن الأسباب الأخرى، ما يرتبط بما يُسمّى الأيديولوجية الصهيونية، التي تتضمن خطابًا إقصائيًا وعدائيًا تجاه العرب، وهو ما يعمّق حالة الرفض الشعبي لأي مسارات تطبيعية.
لقد بدأ مسار التطبيع العربي مع دولة الاحتلال منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وظل محدودًا وفتورًا لسنوات طويلة، قبل أن يشهد عام 2020 تحولًا بارزًا بانضمام أربع دول إلى هذا المسار، وصل بعضها إلى مستوى التحالف. وفي المقابل، بقي التطبيع المصري والأردني محكومًا باعتبارات جغرافية واقتصادية وأمنية، مع استمرار رفض قطاعات واسعة من الشعوب والنخب، خصوصًا في مصر حيث واجهت النقابات والأحزاب مختلف أشكال التطبيع برفض واضح.
ورغم ذلك، ظلّ الرفض الشعبي حاضرًا في عدد من الدول العربية، ومنها المغرب والجزائر، التي واصلت تأكيد دعمها للقضية الفلسطينية واعتبار التطبيع مع الاحتلال طعنة في الوجدان القومي. كما بقي الوعي الشعبي العربي، وفق هذا الطرح، عصيًا على الاختراق رغم توسع الاتفاقيات.
وفي المقابل، أخذ التطبيع منحى أكثر اتساعًا في بعض الحالات، خاصة في الحالة الإماراتية، حيث شمل قطاعات سياسية واقتصادية وثقافية وإعلامية ودينية، مع محاولات لتسويقه على المستوى الشعبي والديني عبر خطاب يقدَّم على أنه “شرعي” ومقبول.
وتجاوزت هذه العلاقات الإطار الرسمي لتصل إلى مجالات اقتصادية واستثمارية واسعة، شملت التبادل التجاري، وتسيير الرحلات الجوية، وإعفاءات التأشيرات، والتعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والضرائب، إلى جانب استيراد منتجات من مستوطنات مقامة على أراضٍ محتلة عام 1967، وهو ما يعتبره القانون الدولي غير شرعي.
كما شملت هذه الانفتاحات زيارات متبادلة ولقاءات رسمية وشعبية، وفعاليات سياسية وثقافية، إضافة إلى استثمارات وصناديق مالية كبرى، واتفاقيات في مجالات الإعلام والرياضة والتعليم، في سياق توسّع العلاقات مع دولة الاحتلال.
وخلال حرب الإبادة التي يشنها نتنياهو وعصابته على الشعب الفلسطيني، جرت زيارات واتفاقيات في مجالات متعددة، من بينها الذكاء الاصطناعي، وحلول البيانات الضخمة، والغاز، وتداول الأوراق المالية، وإطلاق منصات إعلامية عربية–عبرية لتشجيع الاستثمار والسياحة، إضافة إلى برامج لتبادل البعثات الطلابية في مجال التعليم، والإعلان عن فتح مكاتب اقتصادية إسرائيلية في عدد من الدول العربية.
ومهما حاول الأمريكيون والصهاينة ابتزاز النظام السياسي العربي، فإن هذه المحاولات لن تنجح.