في ظل الحرب المستمرة وما خلّفته من اضطرابات اقتصادية ومصرفية عميقة، يتجه سكان قطاع غزة بصورة متزايدة إلى الذهب باعتباره أحد أبرز أدوات حفظ القيمة والتحوط من المخاطر المالية، وسط تراجع الثقة بالقطاع المصرفي وصعوبة الوصول إلى السيولة النقدية.
ويقول المختص أحمد أبو قمر إن الطلب على الشراء في سوق الذهب المحلي يشهد ارتفاعا ملحوظا مقارنة بحركة البيع، رغم الظروف المعيشية الصعبة التي تعانيها الأسر الفلسطينية، في مؤشر يعكس تنامي رغبة المواطنين في تحويل مدخراتهم من النقد إلى أصول مادية أكثر استقرارا وقدرة على الاحتفاظ بقيمتها.
وذكر أن بيانات السوق أن سعر شراء غرام الذهب تجاوز 108 دنانير أردنية، فيما يبدأ سعر البيع للمستهلك من 113 دينارا للغرام، وهي مستويات مرتفعة تعكس تأثيرات الحرب وتراجع المعروض المحلي وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وفي الوقت ذاته، يواجه قطاع صناعة الذهب تحديات كبيرة، إذ انخفض عدد المصانع وورش التصنيع العاملة في غزة من 41 منشأة قبل الحرب إلى نحو 21 منشأة حاليا، نتيجة الدمار الواسع ونقص المواد الخام وارتفاع كلفة التشغيل. كما تراجع الإنتاج المحلي الذي كان يغطي نحو 70% من احتياجات السوق قبل الحرب، الأمر الذي ساهم في زيادة كلفة "المصنعية" ورفع الأسعار النهائية على المستهلكين، وفق أبو قمر.
ويشير ابوق مر ان التحديات لا تقتصر على جانب الإنتاج، بل تمتد إلى أزمة توفر الدينار الأردني، العملة الرئيسية المستخدمة في تجارة الذهب داخل القطاع. فعلى الرغم من أن سعر صرف الدينار يبلغ حاليا نحو 4.13 شواكل، فإن تداوله لا يزال يواجه صعوبات كبيرة بسبب إغلاق المعابر وتراجع حركة التجارة.
ويرى المختص الاقتصادي أن هذه المؤشرات تعكس تحولا في وظيفة الذهب داخل غزة، إذ لم يعد مجرد سلعة للادخار أو الزينة، بل أصبح أداة مالية للتحوط وحفظ الثروة في بيئة تتراجع فيها البدائل الاستثمارية والادخارية التقليدية، وتزداد فيها المخاوف المرتبطة بالسيولة والاستقرار المصرفي.
وبينما تتواصل تداعيات الحرب على مختلف القطاعات الاقتصادية، يبدو أن الذهب يرسخ مكانته كخيار مفضل لدى كثير من الأسر الساعية إلى حماية مدخراتها من التقلبات المالية والاقتصادية المتسارعة.